فهرس الكتاب

الصفحة 1205 من 1285

فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) المائدة: 42، وأهل العلم بالسِّيَر لم يختلفوا في أن اليهود بالمدينة في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام كانوا أهل موادعة لم يلتزموا بجريان حكم الإسلام عليهم، وأنهم لم يكونوا أهل ذمة يؤدون الجزية. ولهذا فكان تحاكمهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام في تلك الواقعة برضاهم واختيارهم لا بالتزام منهم بذلك [1] .

6 -وقال الخطابي في شرحه لسنن أبي داود رحمهما الله، عند شرحه لحديث إمارة السفر (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم) ، قال الخطابي [إنما أمر - عليه الصلاة والسلام - بذلك ليكون أمرهم جميعا ولايتفرق بهم الرأي ولايقع بينهم خلاف فيعنتوا، وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكمَّا رجلا بينهما في قضية فقضى بالحق فقد نفذ حكمه] [2] .

7 -ومن الأدلة على جواز التحكيم وسريان أحكام غير الإمام وقضاته، أن البغاة إذا استولوا على بلد وحكموه بالشرع وجَبَوا منه الأموال على مقتضى الشرع فإن أحكامهم هذه نافذة ولاينقضها الإمام العدل إذا ظهر على هذا البلد. فقد قال ابن قدامة [وإذا نصب أهل البغي قاضيا يصلح للقضاء فحكمه حكم أهل العدل ينفذ من أحكامه ماينفذ من أحكام أهل العدل ويُرد منه مايرد ... ] [3] . وقال ابن قدامة أيضا [وإن استولوا - أي البغاة - على بلد فأقاموا فيها الحدود، وأخذوا الزكاة والجزية والخراج احتُسِب به، لأن عليا لم يتتبع مافعله أهل البصرة وأخذوه، وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى ساعي نجدة الحروري ... ] [4] .

8 -وهذا الذي قرره فقهاء المذاهب المختلفة من جواز التحاكم لغير القاضي المولَّى في دار الإسلام ذكر أبو بكر بن المنذر النيسابوري أنه محل إجماع، وذلك في كتابه (الإجماع) فقال [إجماع 254 - وأجمعوا على أن ماقضى قاضي غير قاض، جائز إذا كان مما يجوز] [5] . ومعنى قوله [قاضي غير قاض] أي قاضي غير معين من جهة الإمام، أي غير قاضي الإمام، وقوله [إذا كان مما يجوز] أي إذا كان ماحكم به هذا القاضي مما يجوز في الشريعة. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية [والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما سواء كان خليفة، أو سلطانا، أو نائبا، أو واليا، أو كان منصوبا ليقضي بالشرع أو نائبا له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو ظاهر] [6] . فهذه أدلة جواز تحاكم الناس برضاهم إلى رجل مؤهل للحكم، بخلاف قاضي الإمام في دار الإسلام، حيث للمسلمين إمام يحكمهم وشريعة إسلامية تعلوهم، وقد نقل أبو بكر بن المنذر الإجماع على جواز ذلك.

تنبيه: الفرق بين الحَكَم والقاضي من عدة أوجه: -

1 -الحَكَم لا يفتقر إلى ولاية من إمام الوقت، بخلاف القاضي الذي لايتولى إلا بولاية من الإمام.

2 -الحَكَم لايحكم بين اثنين من الناس إلا برضاهما وتحاكمهما إليه مختارين، بخلاف قاضي الإمام الذي يحكم بين الخصوم رضوا أم لم يرضوا، وله أن يجبرهم على الحضور إلى مجلس القضاء، وإن لم يختاورا، طالما بلغته الدعوى.

3 -الحَكَم ليس له عموم النظر في الخصومات ولا استدامته، إذ إن عموم النظر واستدامته معناه أنه ذو ولاية، فهذا

(1) هذا حاصل ماذكره الشافعي رحمه الله في (الأم) 4/ 129 - 130، نقلًا عن أحمد شاكر في (عمدة التفسير) 4/ 167

(2) (معالم السنن) ، ط دار الكتب العلمية، 1401 هـ، ج 2 ص 260

(3) (المغني والشرح الكبير) ج 10 ص 70

(4) (الكافي) ج 4 ص 152. وهذا ماقرره الجويني أيضا (الغياثي ص 374)

(5) (كتاب الإجماع) ط دار طيبة 1402 هـ ص 75

(6) (مجموع الفتاوى) ج 28/ 254

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت