للقاضي المتولي من جهة الإمام.
ويتفق الحَكَم والقاضي في وجوب استيفائهما لشروط القضاء، وفي أن حكمهما مُلْزِم للخصوم. إلا أن القاضي يملك سلطة تنفيذ حكمه بالشُرْط، والحَكَم قد لا يملك القوة إن لزمت، فإن قبل الخصوم تنفيذ حكمه برضًا منهم - وهذا واجب عليهم - وإلا فيمكن للحَكَم أن يكتب للقاضي المولَّى ليأمر بتنفيذ حكمه كما قال ابن قدامة [وإذا كتب هذا القاضي بما حَكَم به كتابًا إلى قاض ٍ من قضاة المسلمين لزمه قبوله وتنفيذ كتابه] [1] . هذا فيما يتعلق بالحال الأول من هذه المسألة.
ثانيا: وجوب التحكيم مع انعدام إمام المسلمين وقضاته:
وهو إذا لم يكن للمسلمين إمام يحكمهم ولاقضاء شرعي يتحاكمون إليه، وهذا هو حال أغلب المسلمين اليوم، فلا أقول يجوز لهم، بل أقول يجب عليهم أن يرجعوا إلى من يصلح للقضاء الشرعي منهم ليحكم بينهم بشرع الله فإن لم يجدوا مؤهلا للقضاء اختاروا الأمثل فالأمثل ويحرم عليهم التحاكم إلى القوانين الوضعية الكفرية.
والدليل على صحة هذا: جميع ماذكرته في الحال الأول، خاصة كلام الشيخ ابن ضويان في كتابه (منار السبيل) وكلام ابن قدامة في (المغني) ، وبالإضافة إلى هذا: -
1 -قال القاضي أبو يعلى الحنبلي [ولو أن أهل بلد قد خلا من قاض ٍ أجمعوا على أن قلدوا عليهم قاضيا، نظرت: فإن كان الإمام موجودا بطل التقليد، وإن كان مفقودا صح، ونفذت أحكامه عليهم. فإن تجدد بعد نظره إمام، لم يستدم النظر إلا بعد إذنه، ولم ينقض ماتقدم من حكمه. وقد نص أحمد رحمه الله تعالى على أن نفسَين لو حَكَّما عليهما نفذ حكمُه عليهما] [2] . وموضع الاستشهاد هو قوله إذا كان الإمام مفقودا صح أن يولي الناس عليهم قاضيا. أما قوله إن كان الإمام موجودا بطل التقليد فلا ينقض ماذهبنا إليه في الحال الأول إذ إن تقليد القضاة من حقوق الإمام، وماذكرناه في الحال الأول هو تحكيم حَكَم وليس تولية قاض، وقد ذكرت أوجه الاختلاف بين الحَكَم وبين القاضي أعلاه.
2 -وقال الإمام السيوطي - وهو شافعي -[وقال ابن السبكي في (الترشيح) ذكر (الخوارزمي) في (الكافي) أن المتغلِّب على إقليم لو نصب قاضيًا غير مجتهد أو غير عدل، والناس غير قادرين على دفعه هل تنفذ أحكامه وقضاياه من تزويج الأيامى والتصرف في أموال اليتامى؟ يحتمل وجهين:
أحدهما لا، وطريق المسلمين التحاكم إلى من هو من أهل القضاء في حوادثهم، فإن لم يجدوا أهلًا نفذت أحكامه للضرورة.] [3] .
3 -وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته [وإن فُقِدَ وال ٍ لغلبة الكفار، وجب على المسلمين تعيين والٍ وإمام للجمعة] . وقال أيضا [وأما بلاد عليها ولاة كفار فيجوز للمسلمين إقامة الجُمع والأعياد ويصير القاضي قاضيا بتراضي المسلمين، فيجب عليهم أن يلتمسوا واليًا منهم] وقال أيضا [وإن لم يكن سلطان ولامن يجوز التقليد منه كما هو في بعض بلاد المسلمين كقرطبة الآن، يجب على المسلمين أن يتفقوا على واحد ٍ منهم فيجعلوه واليًا، فيولي قاضيا ويكون هو الذي يقضي بينهم، وكذا ينصبوا إمامًا يصلي بهم الجمعة] [4] .
(1) (المغني والشرح الكبير) 11/ 484
(2) (الأحكام السلطانية) ص 73
(3) (الرد على من أخلد إلى الأرض) للسيوطي، ص 88، ط دار الكتب العلمية 1403 هـ
(4) (حاشية رد المحتار على الدر المختار) 4/ 308، وبعضه في 3/ 253