فهرس الكتاب

الصفحة 1207 من 1285

4 -وقد تكلم إمام الحرمين الجويني عن هذه المسألة باسهاب فقال[وقد حان الآن أن أفرض خلو الزمان عن الكفاة ذوي الصرامة، خلوه عمن يستحق الإمامة - إلى قوله - أما مايسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجُمَع وجرّ العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو الدهر - إلى قوله - وإذا لم يصادف الناس قَوَّامًا بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقدرون عليه من دفع الفساد فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عم الفساد البلاد والعباد - إلى قوله - وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات وتبلدوا عن إظلال الواقعات - إلى قوله -

ثم كل أمر يتعاطاه الإمام في الأمور المفوضة إلى الأئمة. فإذا شغر الزمان عن الإمام، وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد. فإن عسر جمعهم على واحد استبد أهل كل صقع وناحية باتباع عالمهم، وإن كثر العلماء في الناحية، فالمتبع أعلمهم، وإن فرض استواؤهم ففرضهم نادر لا يكاد يقع، فإن اتفق فإصدار الرأي عن جميعهم مع تناقض المطالب والمذاهب محال، فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحد منهم. فإن تنازعوا وتمانعوا وأفضى الأمر إلى شجار وخصام فالوجه عندي في قطع النزاع الإقراع، فمن خرجت له القرعة قُدِّم] [1] .

• ثم قال الجويني إنه إذا خلا الزمان عن العلماء المجتهدين ولم يبق إلا نقلة مذاهب الأئمة قال: [إن الفقية الذي وصفناه يحل في حق المستفتي محل الإمام المجتهد الراقي إلى الرتبة العليا في الخلال المرعية] [2] .ومعنى كلام الجويني رحمه الله أنه يُستفتى الأمثل فالأمثل، فإن وُجِدَ المجتهد لم يجز استفتاء المقلد، وإلا جاز. وكذلك في التحكيم يُتحاكم إلى الأعلم فمن دونه، وقال ابن القيم رحمه الله [ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه القضاء إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولي الأمثل] [3] .

فهذه هي أقوال السلف فيما إذا خلا الزمان عن الإمام الأعظم أنه يجب على أهل كل بلد وناحية أن يتحاكموا إلى أهل العلم فيهم من المجتهدين فإن عُدِموا فيحتكموا إلى الأمثل فالأمثل. وخطاب الله بإقامة الأحكام موجه إلى مجموع الأمة قال تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) المائدة: 38، وقال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا) النور: 2، وغيرها، وينوب الإمام عن الأمة في تنفيذ هذا، كما في الحديث الصحيح (إنما الإمام جُنَّة) [4] ، وفيه أيضا (فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته) [5] ، فإذا فُقِد الإمام يرجع الخطاب إلى مجموع الأمة فيقدم الناس من يتحاكمون إليه ممن يصلح لهذا. وقال أحمد بن حنبل [لابد للناس من حاكم، أفتذهب حقوق الناس؟] [6] ، وذلك لأن نُصْبَة القضاة من فروض الكفاية لحفظ العدل وإن لم يقم به البعض أثم الكل، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

(1) ص 385 - 391

(2) ص 427 (الغياثي) ط 2 تحقيق د/ عبدالعظيم الديب 1401هـ

(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 196 - 197. ولابن تيمية كلام مثل هذا في (الاختيارات الفقهية) ص 332

(4) الحديث متفق عليه

(5) الحديث متفق عليه

(6) ذكره أبو يعلى في (الأحكام السلطانية) ص 24، 71

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت