فهرس الكتاب

الصفحة 1208 من 1285

كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) النساء: 135، وقال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد: 25.

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى هذا المعنى أوضح إشارة، وهو أن الأحكام والحدود مخاطب بها مجموع الأمة، ويقيمها السلطان ذو القدرة، فإن عُدِم السلطان وأمكن إقامتها - إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها - فهذا هو الواجب، فقال رحمه الله:[خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا، كقوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) المائدة: 38، وقال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا) النور: 2. وكذلك قوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) النور: 4، لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لابد أن يكون قادرا عليه، والعاجزون لايجب عليهم، وقد عُلِمَ أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد، بل هو نوع من الجهاد. فقوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) البقرة: 216، وقوله (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ) البقرة: 190، وقوله: (إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ) التوبة: 39، ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين. و «القدرة» هي السلطان، فلهذا: وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه.

والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فُرِضَ أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة. لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء إن أهل البغي يَنْفُذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا، لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة، فإن ذلك أيضا إذا أسقط عنه إلزامَهم بذلك لم يسقط عنهم القيامُ بذلك، بل عليهم أن يقيموا ذلك، وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق، أو إضاعته لذلك: لكان ذلك الفرض على القادر عليه.

وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه. إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم. إنما هو العادل القادر، فإذا كان مُضَيِّعًا لأموال اليتامي، أو عاجزا عنها: لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه. والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه. فمتى أمكن إقامتها مع أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من «باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية مايزيد على إضاعتها لم يدفع بأفسد منه. والله أعلم] [1] .

فهذه أقوال العلماء في بيان صحة - بل وجوب - اتفاق الناس على إقامة الأحكام بينهم - ما أمكنهم ذلك - زمن غياب الإمام، على أن يُحَكِّموا بينهم من يصلح للقضاء الشرعي الأمثل فالأمثل.

ثالثا: كيفية تحاكم المسلمين إلى الشريعة في البلاد المحكومة بقوانين الكفار:

في البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية يجب على المسلمين التحاكم إلى الشريعة بحسب المستطاع، فقد قال تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) النساء: 65، وقال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن: 16.

وهنا أربع مسائل: من يجب عليه ذلك؟، وصفة من يتحاكم إليه؟، ومايجوز فيه التحكيم؟، وحرمة الامتناع عن التحاكم إلى الشرع.

(1) (مجموع الفتاوى ج 34 ص 175، 176)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت