فهرس الكتاب

الصفحة 1209 من 1285

1 -من يجب عليه التحاكم إلى الشريعة؟.

ولايخفى أن هذا فرض عين على كل مسلم إذا نزل به مايدعو إلى ذلك، فإن هذا التحاكم من أصل الإيمان كما أسلفت. ولكني أودّ أن أنبه هنا على واجب قادة الجماعات والجمعيات الإسلامية المختلفة في هذالشأن، فقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) الحديث متفق عليه، فيجب على هؤلاء القادة أن يُلزموا أتباعهم بهذا الواجب الشرعي، ويجب أن تتضمن عقود هذه الجماعات النص على هذا الواجب فيصير التحاكم بذلك واجبا على الأتباع من ثلاثة أوجه:

-يصير واجبا بالشرع، لقوله تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) النساء: 65.

-وواجبا بالعقد، لقوله تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا) الإسراء 34.

-وواجبا بأمر قادة الجماعات به، لقوله تعالى (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء 59.

ومايجب على قادة الجماعات من أمر اتباعهم بذلك هو واجب على كل مطاع ٍ كشيوخ القبائل وزعماء العشائر ونحوهم.

2 -صفة من يتحاكم إليه؟.

يتحاكم إلى الأمثل فالأمثل، والأصل في الحاكم أن يكون مجتهدًا، لحديث عمرو بن العاص رفعه (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب ... ) [1] . فإن عُدِمَ يتحاكم إلى المقلد وطالب العلم كماسبق في كلام الجويني وابن تيمية وابن القيم، وكما سبق بيانه في مراتب المفتين في الباب الخامس من هذا الكتاب، حتى قال القاضي برهان الدين بن فرحون [قال اللخمي إنما يجوز التحكيم إذا كان المحكَّم عدلًا من أهل الاجتهاد أو عاميًا واسترشد العلماء، فإن حَكَم ولم يسترشد رُدَّ وإن وافق قول قائل، لأن ذلك تخاطر منهما وغَرَر] [2] .

فالواجب التحاكم إلى الأمثل فالأمثل ولايجوز تعطيل هذا الواجب ماأمكن إقامته، وهنا يقع عبء كبير على المسلمين عامة وعلى ولاة الأمور منهم خاصة كقادة الجماعات والجمعيات الإسلامية من أجل توفير عدد كاف ٍ من المؤهلين للتحكيم بين المسلمين، فالواجب على كل من ظهرت لديه نجابة في طلب العلم أن يَنكبَّ على دراسة الفقه وعلوم الوسائل الممهدة له حتى يتأهل للحكم بين المسلمين وقد ذكرت في المباحث السابقة مايعين على هذه الدراسة، ويجب على قادة الجماعات الإسلامية انتداب من كان بهذه الصفة من أتباعهم لطلب العلم وكفالته ماديًا ليتفرغ لهذا الأمر.

3 -ما يجوز فيه التحكيم؟.

الراجح الذي تشهد له الأدلة أن التحكيم جائز في كل شيء، ودليله:

أ - حديث أبي شريح - الذي سبق ذكره في كلام ابن قدامة وابن ضويان - أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام (يا رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فَرَضِىَ كلا الفريقين، قال عليه الصلاة والسلام: ماأحسن هذا) . فقوله (إذا اختلفوا في شيء) صيغة عموم تعم كل مختلف ٍ فيه، لأنها نكرة (شيء) في سياق الشرط (إذا) .

ب - ودليله أيضا تحكيم اليهود للنبي عليه الصلاة والسلام في حدّ الرجم، ونفاذ حكمه عليهم، كما سبق في كلام أبي بكر بن العربي رحمه الله.

(1) الحديث متفق عليه

(2) (تبصرة الحكام) 1/ 63

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت