فهرس الكتاب

الصفحة 1210 من 1285

وعلى هذا فالتحكيم جائز في كل شيء بين المسلمين المقيمين بالبلاد المحكومة بقوانين الكفر، ولايقيد هذا إلا ماذكره ابن تيمية في آخر كلامه المذكور آنفا [والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها مع أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت، إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها] [1] .

فإذا تعذر التحكيم في الحدود والقصاص أو ترتب على تنفيذ العقوبات فيهما مفسدة، فليكن في الأموال والحقوق والنكاح وتوابعه، وكل هذا يدخل في تقوى الله المستطاعة للعبد، ويدخل تحت القاعدة الفقهية (الميسور لا يسقط بالمعسور) وصاغها الشيخ الإمام عزالدين بن عبدالسلام هكذا [إن من كُلف بشيء من الطاعات فَقَدَر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه مايعجز عنه] [2] ، وهذه القاعدة مستفادة من قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن: 16، ومن قول رسول الله عليه الصلاة والسلام (وما أمرتكم به فأتوا منه مااستطعتم) [3] . ومما يدخل في الاستطاعة إخراج الزكاة وإن عطّلها الحكام، وأداء الديات وأروش الجراحات والكفارات وإن لم تحكم بها المحاكم الكافرة، وحُرْمَة الربا، ومما يتعلق بهذا مراعاة القيمة في القروض وفي البيع بالأجل وذلك لأن قيمة الأوراق المالية تتغير كثيرا بالزمن وغالبا ماتنقص قيمتها وهو مايُعرف في الاقتصاد المعاصر (بالتضخم) ويتلاعب الحكام الظالمون بقيمة العملات الورقية تلاعبا كبيرًا بالنقص من قيمتها بما يعود بالغُبن الفاحش على الرعية. فالواجب جعل أحد النقدين المعتبرين في الشريعة (الذهب والفضة) أساس هذه التعاملات، فمثلا إذا أقرضك رجل ألف ليرة اليوم وكان جرام الذهب اليوم بمائة ليرة فأنت اقترضت عشرة جرامات، فإذا كان أجل القرض سنة وكان جرام الذهب بعد سنة بمائتي ليرة ورددت إليه الألف ليرة فقد رددت إليه خمسة جرامات وظلمته ظلما فاحشا، والواجب عليك أن ترد إليه ألفي ليرة، وعكسه إذا زادت قيمة الليرة ترد إليه أقل من الألف الأصلية كالحساب السابق، وهذا ليس من الربا في شيء بل هو رجوع إلى النقد المعتبر شرعا، فهذه الأوراق لا اعتبار لها شرعا إلا بتقييمها بالذهب أو الفضة، وهو مايفعله كل مسلم عند إخراج زكاة المال وزكاة عروض التجارة، واحتساب النصاب في السرقة. وماسبق من اعتبار القيمة لايسري على الودائع فهذه ترد كما هي، وقد أشار الشيخ أحمد الزرقا إلى هذه المسألة في كتابه القواعد الفقهية، في قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) ونَسَبَ هذا القول إلى القاضي أبي يوسف [4] .

4 -حرمة الامتناع عن التحاكم إلى الشرع:

ولايحل لأحد دعي إلى التحاكم إلى الشرع أن يُعرض عنه فإن هذا من خصال النفاق كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) النساء: 61، وقال تعالى (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُون، وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) النور: 48 - 51.

وبهذا كنت ومازلت أنصح إخواني المسلمين. وأرى أن الله تعالى لايمن على المسلمين بحكم إسلامي إلا إذا تحاكموا إلى

(1) (مجموع الفتاوى) 34/ 176

(2) (قواعد الأحكام ج 2ص 6 و 19)

(3) الحديث متفق عليه

(4) (شرح القواعد الفقهية) للشيخ أحمد الزرقا، ص 121، ط دار الغرب الإسلامي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت