فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 1285

الراسخين .... إلى آخر كلامه] [1] .

3 -وقد عَدّ أبو الفرج بن الجوزي تقديم الأدنى على الأعلى والأهم من تلبيس الشيطان، فقال رحمه الله [في ذكر تلبيس إبليس على العلماء في فنون العلم .... فمن ذلك أن أحدهم يشتغل بالقراءات الشاذة وتحصيلها، فيفني أكثر عمره في جمعها، وتصنيفها والإقراء بها، ويشغله ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات. فربما رأيت إمام مسجد يتصدى للإقراء ولايعرف مايفسد الصلاة. وربما حمله حب التصدر حتى لايرى بعين الجهل على أن يجلس بين يدي العلماء، ويأخذ عنهم العلم، ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ القرآن وتقويم ألفاظه، ثم فهمه، ثم العمل به، ثم الإقبال على مايصلح النفس ويطهر أخلاقها، ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع، ومن الغبن الفاحش تضييع الزمان فيما غيره الأهم.] [2] .

4 -وقال ابن الجوزي أيضا[في الإعلام بما ينبغي تقديمه من المحفوظات: أول ماينبغي تقديمه مقدمة في الاعتقاد تشتمل على الدليل على معرفة الله سبحانه، ويذكر فيها مالابد منه، ثم يعرف الواجبات، ثم حفظ القرآن، ثم سماع الحديث.

ولابد من حفظ مقدمة في النحو يقوم بها اللسان. والفقه عمدة العلوم، وجمع العلوم ممدوح إلا أن أقوامًا أذهبوا الأعمار في حفظ النحو واللغة، وإنما يعرف بها غريب القرآن والحديث ومايفضل عن ذلك ليس بمذموم غير أن غيره أهم منه. وأن أقوامًا أذهبوا أزمانهم في علوم القرآن فاشتغلوا بما غيره أصلح منه من الشواذ المهجورة، والعمر أنفس من تضييعه في هذا. وأن أقوامًا أذهبوا أعمارهم في حفظ طرق الحديث ولعمري أن ذلك حسن إلا أن تقديم غير ذلك أهم. فترى أكثر هؤلاء المذكورين لايعرفون الفقه الذي هو ألزم من ذلك، ومتى أمعن طالب الحديث في السماع والكتابة ذهب زمان الحفظ، وإذا علت السن لم يقدر على الحفظ المهم، وإذا أردت أن تعرف شرف الفقه فانظر إلى مرتبة الأصمعي في اللغة، وسيبويه في النحو، وابن معين في معرفة الرجال، كم بين ذلك ومرتبة أحمد والشافعي في الفقه. ثم لو حضر شيخ مسن له إسناد لايعرف شيئًا من الفقه بين يديه شاب متفقه فجاءت مسألة: سكت الشيخ، وتكلم الشاب، وهذا يكفي في فضل الفقه. ولقد تشاغل خلق كثير من أصحاب الحديث بعلوم الحديث، وأعرضوا عن الفقه، فلما سئلوا عن مسألة في الأحكام افتضحوا. - إلى أن قال - ولو اتسع العمر لأمرتك باستقصاء كل علم إذ الكل ممدوح، فلما قصر العمر وجب تقديم المهم والأفضل] [3] .

5 -وقريب مما ذكره ابن الجوزي ما قاله النووي رحمه الله [المطالعة بالأهم فالأهم: وأول مايبتديء به حفظ القرآن العزيز فهو أهم العلوم وكان السلف لايُعلمِّون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالا يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان، وبعد حفظ القرآن يحفظ من كل فن مختصرًا ويبدأ بالأهم ومن أهمها الفقه والنحو ثم الحديث والأصول ثم الباقي على ماتيسر، ثم يشتغل باستشراح محفوظاته ويعتمد من الشيوخ في كل فن أكملهم في الصفات السابقة، فإن أمكنه شرح دروس في كل يوم فعل وإلا اقتصر على الممكن من درسين أو ثلاثة وغيرها، فإذا اعتمد شيخًا في فن وكان لايتأذى بقراءة ذلك الفن على غيره فليقرأ أيضًا على ثان وثالث وأكثر مالم يتأذوا فإن تأذ المعتمد اقتصر عليه وراعى قلبه فهو أقرب إلى انتفاعه، وقد قدمنا أنه ينبغي أن لايتأذى من هذا، وإذا بحث المختصرات انتقل إلى بحث أكبر منها مع المطالعة المتقنة والعناية الدائمة المحكمة وتعليق

(1) راجعه في (الموافقات) ج 1 ص 77 - 78. وإنما بيّنا هنا تقسيمه العلوم إلى أهم ودونه

(2) (تلبيس إبليس) ص 165، ط مكتبة المدني

(3) (الحث على حفظ العلم) لابن الجوزي، ط دار الكتب العلمية 1405 هـ، ص 23 - 24

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت