لطلب العلم.
روى البخارى عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: [إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ماحدّثت حديثا، ثم يتلو (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) - إلى قوله - (الرَّحِيمُ) البقرة:159 - 160. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِشِبَع بطنه، ويحضر ما لايحضرون، ويحفظ ما لايحفظون] [1] .
ورى ابن عبد البر بإسناده عن مالك رحمه الله قال: [إن هذا الأمر لن يُنال حتى يُذاق فيه طعم الفقر، وذكر مانزل بربيعة من الفقر في طلب العلم حتى باع خشب سقف بيته في طلب العلم، وحتي كان يأكل مايُلقى على مزابل المدينة من الزبيب وعصارة التمر] [2] .
3 -ويحتاج الطالب إلى الصبر على ما استغلق عليه فهمه حتى يفهمه.
ومن هذا ماورد في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام في قوله تعالى (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) الكهف:66 - 82.
4 -ويحتاج الطالب إلى الصبر على مشقة السفر والرحلة لطلب العلم إذا احتاج لذلك.
قال البخاري: [ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد] [3] .
وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه [والله الذي لا إله غيره، ماأنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولاأنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أُنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم منى بكتاب الله تبلُغُه الإبل لركبتُ إليه] [4] .
وروى ابن عبد البر عن يحيى بن سعيد: [قال سعيد بن المسيب: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد] .
وقال ابن عبد البر: [قال الشعبي: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصي اليمن ليسمع كلمة حكمة مارأيت أن سفره ضاع] [5] .
5 -ويحتاج الطالب إلي الصبر للتواضع في أخذ العلم عمن هو دونه.
كثيرا ما يطلب الرجل العلم ممن هو دونه في السِّن أو الحسب أو حتي العلم ولايتمكن من حمل نفسه على هذا إلا بالتواضع، فإن أنِفت نفسه من هذا آل أمره إلى الجهل.
قال تعالى (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) الكهف: 66، فطلب موسى عليه السلام العلم ممن هو دونه منزلة وهو الخضر، ونقل ابن حجر عن القرطبى قوله [والخضر وإن كان نبيا فليس برسول باتفاق،
(1) (حديث 118)
(2) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 97
(3) (فتح الباري) ج 1 ص 173
(4) متفق عليه واللفظ للبخارى (حديث 5002)
(5) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 94 - 95