ثانيا: حقيقة الواقع المعاصر.
حيثما يممت بصرك لاتجد لواقعنا إلا حقيقة واحدة وهي فتك الكفار بالمسلمين فتكا ذريعًافي شتى المجالات وفي شتى البلدان.
وذلك أن الله تعالى أخبرنا بشدة عداوة الكفار لنا، فقال تعالى (إن الكافرين كانوا لكم عدوًا مبينًا) النساء 101، وقال تعالى (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) البقرة: 217، وقال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) البقرة: 109، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) آل عمران: 118، وقال تعالى (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) آل عمران: 120. وكان الكفار ولم يزالوا يحملون لنا كل هذه العداوة والبغضاء والرغبة في الإفساد والإضرار، وفي مقابل هذا أمرنا الله بإعداد القوة وأمرنا بغزوهم في عقر دارهم، وهو جهاد الطلب، وهو من أنواع الحرب الوقائية، قال تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) التوبة: 5، وبهذا ظل المسلمون أعزة. وقد كان الكفار يتربصون للإيقاع بالمسلمين، وفشلوا مرات عديدة، إلا أنهم - وبسبب تفريط المسلمين في إعداد القوة وفي الجهاد - تمكنوا في الوقت الحاضر من الايقاع بالمسلمين بل والفتك بهم، هذا الواقع الذي يعبر عنه بصدق قول النبي عليه الصلاة والسلام (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) قالوا: ومن قِلَّة ٍ نحن يومئذ؟، قال عليه الصلاة والسلام (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن) ، قالوا: يارسول الله، وما الوهن؟، قال (حب الدنيا وكراهية الموت) [1] ، رواه أحمد وأبو داود والطبراني عن ثوبان. وأي ذل وهوان أشد من أن يبلغ عدد المسلمين 1200 مليون نسمة - حوالي خُمس سكان العالم - وليست لهم دار إسلام يأوون إليها ولا إمام للمسلمين يلوذون به، غثاء كغثاء السيل.
وقد بدأ فتك الكفار بالمسلمين منذ أكثر من مائة سنة، مع الضعف الشديد الذي دَبّ في جسد الدولة العثمانية حكومة ورعية، فأخذ الكفار في نهش هذا الجسد وتمزيقه وإفساده حتى لاتقوم له قائمة، واتخذ فتك الكفار بالمسلمين عدة صور تم التخطيط لها بدقة حتى تحقق أهدافها، ومن هذه الصور:
1 -التقسيم: وهو من أهم الوسائل التي يستعملها القوي لإضعاف خصمه، بتقسيم أرضه إلى دويلات صغيرة ضعيفة بما يؤدي إلى تفتيت قدرات الخصم، وقد ذكرت صورًا لذلك في كلامي عن التاريخ الدولي الحديث. فقام الكفار المستعمرون بتقسيم أراضي الدولة العثمانية إلى دول البلقان في شرق أوربا وإلى الدول العربية المعروفة اليوم، كما قاموا بتقسيم غيرها من أراضي المسلمين في جنوب شرق آسيا وفي شرق افريقيا وغربها. واتبعت سياسة خبيثة في التقسيم كفيلة بأن تبقي كل دولة ضعيفة، فالدولة التي لديها كثافة بشرية وعمالة ماهرة كمصر مواردها الطبيعية محدودة وكذلك أموالها، والدولة التي لديها موارد طبيعية وأرض زراعية خصبة كالسودان فقيرة في العمالة والأموال، والدولة الغنية بالأموال كبلدان الخليج تعاني من ندرة السكان وندرة الأرض الزراعية والمياه، وهناك دول فقيرة في كل شئ كالأردن. فلا يمكن لدولة ٍ من هذه أن تشكل قوة اقتصادية أو عسكرية بمفردها، فالأرض في مكان، والكفاءات البشرية في مكان آخر، والمال في مكان ثالث. وقد تم هذا عن عمد، في حين أنه لو اتحدت هذه الدول في دولة واحدة كما كانت في ظل الخلافة الإسلامية لتكونت منها قوة عظمى بشرية واقتصادية وعسكرية.
ولم تقف سياسة التقسيم الخبيثة عند هذا الحد، بل حرصت على خلق مشاكل حدود بين الدول بترك بعض المناطق
(1) حديث حسن