فهرس الكتاب

الصفحة 1074 من 1285

ثابتا لكنه منسوخ ولم يبلغهم الناسخ فأفتوا بالمنسوخ، أما النص الناسخ فقوله عليه الصلاة والسلام (إذا جَلَس بين شُعَبِها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغُسل) [1] . وأصرح منه قوله عليه الصلاة والسلام (إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسْل) [2] .

ومن أمثلة مخالفة الصحابي للنص باجتهاد منه قول ابن عباس إنه لاتوبة لقاتل العمد محتجا بآية النساء (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) النساء: 93، وقال إنها نسخت آية الفرقان (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) (إِلَّا مَن تَابَ) الفرقان: 68 - 70. روي ذلك عنه البخاري في التفسير [3] وجمهور السلف وجميع أهل السنة قالوا بأنه تصح توبة قاتل العمد خلافا لابن عباس وحجتهم قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) النساء: 48، وحجتهم أيضا حديث قاتل المائة وفيه أن الله قبل توبته وهو حديث متفق عليه [4] .

ومن أمثلة مخالفة الصحابي للنص باجتهاد منه: نَهي بعض الصحابة كعمر وعثمان وأبي ذر عن التمتع بالعمرة مع الحج، فالتمتع جائز بالقرآن (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) البقرة: 196، وثابت بالسنة، وفي هذا روي البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال [أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يُنزل قرآن يحرِّمه، ولم يُنه عنها حتى مات، قال رجلٌ برأيه ماشاء] [5] ، قال ابن حجر [المراد بالرجل في قوله هنا «قال رجل برأيه ماشاء» هو عمر] [6] . وروي مسلم عن عبد الله بن شقيق [كان عثمان ينهى عن المتعة وكان عليٌّ يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، ثم قال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: أَجَلْ ولكنا كنا خائفين] . وروي مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال [كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام خاصة) وفي رواية (كانت لنا رخصة، يعني المتعة في الحج] . فعثمان خالف النص متأولا أن التمتع كان للخوف، وأبو ذر خالف النص متأولا أنه كان رخصة لهم فقط.

وشرع الله التيمم للجنب إذا لم يجد الماء في قوله تعالى (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا) المائدة: 6، وكان عمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود يقولان لايتيمم الجنب ولايصلي حتى يجد الماء، وعن ابن مسعود: ولو لم يجده شهرًا لايصلي. وقد روي هذا البخاري في عدة أحاديث منها ما رواه عن شقيق قال: [كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرًا أما كان يتيمم ويُصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة (فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا) ؟ فقال عبد الله: لو رُخِّص لهم في هذا لأوشكوا إذا بَرَدَ عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد. قلت: وإنما كرهتم هذا لِذَا؟ قال: نعم. فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر (بعثني رسول الله عليه الصلاة والسلام في حاجة ٍ فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرّغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا: فضرب بكفّه ضربة على الأرض ثم نَفَضَها ثم مسح

(1) متفق عليه وزاد مسلم (وإن لم يُنزل)

(2) رواه البيهقي وابن ماجة ورجاله ثقات عن عائشة ورواه مسلم عنها بلفظ مقارب، انظر (فتح الباري) 1/ 395

(3) (الأحاديث 4762 - 4766)

(4) انظر (فتح الباري) 8/ 496

(5) (حديث 4518)

(6) (فتح الباري) 8/ 186

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت