فهرس الكتاب

الصفحة 1256 من 1285

وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) فاطر: 43، وقال تعالى (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) الأحزاب: 62، وقال تعالى (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) الفتح: 23. فهذه النصوص ونحوها صريحة في ثبات سنن الله تعالى والتي هي عبارة عن ترتب نتائج معينة على أسباب معينة، وهذا هو معنى أن التاريخ يعيد نفسه، أنه كلما وجد سبب معين ترتبت عليه نتيجة معينة، وهذا شئ دلت عليه نصوص الشريعة، ويثبته استقراء أحداث التاريخ.

ومن هذه الحقيقة - وهي ثبات سنن الله القدرية - تمكن ابن خلدون 808 هـ من وضع قوانين عامة لدراسة التاريخ والربط بين أحداثه، وجَمَعَها في كتابه (مقدمة ابن خلدون) وجعلها كمقدمة لكتابه في التاريخ (العبر وديوان المبتدأ والخبر) .

قال ابن خلدون رحمه الله [اعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب، جَمُّ الفوائد شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا - إلى أن قال - فالمضي أشبه بالآتي من الماء بالماء] [1] .

ولأجل فائدة دراسة التاريخ في اكتساب الخبرات، كانت دراسته جزء أساسيا من مناهج إعداد القادة السياسيين والعسكريين، ولأجل هذه الفائدة كان أساتذة التاريخ من المشاركين الأساسيين في وضع استراتيجيات الدول وتحديد متطلبات أمنها القومي.

3 -الفائدة الثالثة: إصدار الفتاوي والأحكام.

قال ابن القيم رحمه الله في أكثر من موضع بكتابه (اعلام الموقعين) : [إن الفتوى هي معرفة الواجب في الواقع] ، والواجب أي ماحكمت به الشريعة، والواقع هو الحال المسئول عن حكم الشريعة فيه.

وقد يكون هذا الواقع تاريخا حاضرًا أو ماضيًا، وقد يلزم لإصدار الفتوى النظر في تاريخ شيء معين والبحث فيه. ألا ترى أن الحكم بتصحيح حديث أو تضعيفه يستلزم النظر في تواريخ عدد من الرجال هم رجال سلسلة إسناد هذا الحديث.

ألا ترى أن هناك رجالا يقدمهم الطواغيت المعاصرون للأجيال الناشئة من المسلمين على أنهم عباقرة مصلحون، وإذا بحثت في تاريخهم وجدت أنهم مجرمون كان شغلهم الشاغل إفساد المسلمين وتخريب عقولهم. وإذا قرأت كتاب (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) وكتاب (حصوننا مهددة من داخلها) كلاهما للدكتور محمد محمد حسين، عرفت أسماء كثير من هؤلاء المجرمين، تلك المعرفة التي تترتب عليها أحكام منها معرفة أوليائهم الذين يتبعون منهجهم، ومنها الحذر من ضلالهم وإفسادهم، ومنها تحريم النظر في كتبهم وتأثيم من يشارك في طبعها وترويجها.

ثم ألا ترى أنه بالنظر في التاريخ الماضي يمكن الحكم بتحريم تداول بعض الكتب الموجودة بأسواق المسلمين الآن التي تشتمل على الكفر الصريح، ككتب محيي الدين بن عربي (الفتوحات المكية) و (فصوص الحكم) ، والذي قال فيه ابن تيمية إنه أكفر من اليهود والنصارى، وقال ابن تيمية [قال الشيخ إبراهيم الجعبري، لما اجتمع بابن عربي - صاحب هذا الكتاب - فقال: رأيته شيخًا نجسًا يكذِّب بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي أرسله الله. وقال الفقيه أبو محمد بن عبدالسلام - لما قدم القاهرة وسألوه عنه - قال: هو شيخ سوء كذاب مقبوح، يقول بقدم العالم ولايُحَرِّم فرجا] قال ابن

(1) (مقدمة ابن خلدون) ط دار القلم، ص 9 - 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت