بالعقل كما يقوله من يقوله من القدرية وإما لمحض المشيئة، كما يقوله المجبرة.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) القصص: 59.
وقال تعالى: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) القصص: 47.
وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى) طه:134.
فهذا يبين أنه لم يكن ليعذب الكفار حتى يبعث إليهم رسولا، وبين أنهم كانوا قبل الرسول قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذم وهي سبب للعذاب لكن شرط العذاب قيام الحجة عليه بالرسالة] [1] .
يتبين من كلام شيخ الإسلام:
أن الراجح في المسألة الأولى (التحسين والتقبيح العقلي) : أن العقل يُدرك الحُسْن والقبح.
وأن الراجح في المسألة الثانية (ترتيب العقاب على ذلك) : أنه لا عقاب ولا مؤاخذة قبل ورود الشرع وذلك بالحجة الرسالية. فالعقل وإن أدرك الحُسْن والقبح إلا أنه لا يوجب ولا يُحرّم، وهي الأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب.
وتكلم ابن القيم في هاتين المسألتين: مُنكرًا على من أنكر التحسين والتقبيح العقلي، ومنكرًا على من رتب العقاب على حكم العقل، أي منكرًا على المخطئ في المسألتين، فقال رحمه الله[ولما ذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم. وتمكنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم. ولما نفيتم أنتم الأصلين جميعًا استطالوا عليكم. وأبدوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدوه. وهم غلطوا في تلازم الأصلين. وأنتم غلطتم في نفي الأصلين.
والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل: أنه لا تلازم بينهما، وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة. والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات. ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي. وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه. بل هو في غاية القبح. والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل. فالسجود للشيطان والأوثان، والكذب والزنا، والظلم والفواحش. كلها قبيحة في ذاتها. والعقاب عليها مشروط بالشرع.
فالنفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحة. وقبحها والعقاب عليها إنما ينشأ بالشرع.
والمعتزلة تقول: قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل.
وكثير من الفقهاء من الطوائف الأربع يقولون: قبحها ثابت بالعقل. والعقاب متوقف على ورود الشرع. وهو الذي ذكره سعد بن علي الزنجاني من الشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة. وذكره الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة نصا. لكن المعتزلة منهم يصرحون بأن العقاب ثابت بالعقل.
وقد دل القرآن أن لا تلازم بين الأمرين. وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل. وأن الفعل نفسه حسن وقبيح.] [2] .
وفصّل ابن القيم القول في موضع آخر، فتكلم فيما يجب به التوحيد، فقال رحمه الله [فاختلف فيها الناس. فقالت طائفة: يجب بالعقل. ويعاقب على تركه. والسمع مقرر لما وجب بالعقل مؤكد له. فجعلوا وجوبه والعقاب على تركه
(1) (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح) لابن تيمية، 1/ 314 - 316
(2) (مدارج السالكين) 1/ 254 - 255،ط 1، دار الكتب العلمية