7 -وهي شريعة العمي: كما قال تعالى (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) الرعد: 19، وذكر الله الكافرين والمؤمنين ثم قال تعالى (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) هود: 24.
8 -وهي شريعة الأهواء: قال تعالى (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) النجم: 3 - 4، وقال تعالى (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) القصص:50، فحصر سبحانه الأمر في شيئين: إما الوحي وهو اتباع الشريعة وإما الهوى، فكل ما خالف شريعة الحق فهو من الأهواء، كما قال تعالى (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الجاثية: 18. وبين سبحانه أن اتباع الهوى هو عين الضلال في قوله (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) القصص: 50، وأن اتباع الهوى هو أصل الفساد ومنشؤه كما قال تعالى (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) المؤمنون: 71. ومن هذا تدرك أن الضلال والفساد الشائعان في البلاد المحكومة بقوانين الكفر مرجعه إلى أنها شريعة الأهواء، فالهوى هو أصل الضلال والفساد.
9 -وهي شريعة الظلم: كما قال تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة: 45. ومن هذا تعلم أن تسمية الوزارة القائمة على الحكم بهذه القوانين بوزارة العدل، ووصف بعض الناس لأحكام القضاة الحاكمين بها بأنها أحكام عادلة هو ضرب من الاستهزاء بآيات الله ومعاندة لشرعه، إذ وصفها الله بالظلم وهم يصفونها بالعدل. وقد قال العلماء بكفر من يقول ذلك، فقال صديق حسن خان[إنَّ مَدْح الكفار لكفرهم ارتداد عن دين الإسلام، ومَدْحهم مجردًا عن هذا القصد كبيرة يعزر مرتكبها بما يكون زاجرًا له. وأما قوله، أنهم أهل عدل فإن أراد أن الأمور الكفرية التي منها أحكامهم القانونية عدل فهو كفر بواح صراح، فقد ذمها الله سبحانه وشنع عليها وسماها عتوًا وعنادًا وطغيانًا وإفكًا وإثمًا مبينًا وخسرانًا مبينًا وبهتانًا.
والعدل إنما هو شريعة الله التي حواها كتابه الكريم وسنّة نبيه الرؤوف الرحيم. قال تعالى (إِنَّ اللّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) النحل: 90، فلو كانت أحكام النصارى عدلًا لكانت مأمور بها - إلى أن قال - وقال تعالى (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) النساء: 60. وهؤلاء سموا ماأمرهم الله بالكفر به عدلًا وغلوا في ضلالهم ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا.] [1] .
10 -وهي شريعة الخراب: إذ الظلم لايأتي إلا بالخراب، ويُروى أن كعب الأحبار - وهو من التابعين وكان يهوديا فأسلم - قال لأبي هريرة رضي الله عنه: مكتوب في التوراة من يَظِلم يُخَرب بيته، فقال له أبو هريرة: وهذا في القرآن في قوله تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) النمل: 52 [2] . ومما يدل أيضا على أن الظلم لايأتي إلا بالخراب والحرمان قوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) النساء: 160، وكما قال ابن تيمية رحمه الله فإن تحريم الطيبات المذكور في الآية قد يكون عقوبة قدرية للظالمين، فيحرمهم الله من الطيبات قدرًا وإن أحلت لهم شرعًا، ويقع التحريم القدري بتلف المحاصيل أو غلاء أسعارها أو بمرض يمنع من تناولها فيقع الحرمان. ولما كان الحكم بالقوانين
(1) (العبرة فيما ورد في الغزو والشهادة والهجرة) ص 246، ط دار الكتب العلمية 1405هـ
(2) ذكر هذا الأثر محمد بن جعفر الكتاني في كتابه (نصيحة أهل الإسلام) ص 205