الوضعية هو الظلم بعينه كما أسلفنا فإن الظلم لايأتي إلا بالخراب، وهذا هو واقع البلاد المحكومة بهذه القوانين. وذكر ابن كثير رحمه الله في أحداث سنة 615 هـ أن المعظَّم أمير دمشق أخذ ضمانًا - ضرائب - على الخمور والمغنيات حتى شاعت هذه الفواحش واعتذر بقلة الأموال اللازمة للجُنْد وحاجتهم للنفقات في قتال الفرنج، وعَلّق ابن كثير على هذا بقوله [وهذا من جهله وقلة دينه وعدم معرفته بالأمور، فإن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء وينصرهم عليهم، ويتمكن منهم الداء ويثبط الجند عن القتال، فيولون بسببه الأدبار، وهذا مما يدمر ويخرب الديار ويديل الدول كما في الأثر «إذا عصاني من يعرفني سَلّطت عليه من لايعرفني» . وهذا ظاهر لايخفى على فَطِن] [1] .
11 -وهي شريعة المعيشة الضنك: كما قال تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) طه: 124، وهذا الضنك مترتب ولاشك على الظلم ومايعقبه من خراب، وكل هذه الآثار بادية ظاهرة للعيان في المجتمعات المحكومة بقوانين الكفر.
12 -وهي شريعة المصائب: كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) النساء: 61 - 62، فالإعراض عن حكم الله ورسوله لايُخلِّف إلا المصائب.
13 -وهي شريعة العداوة والبغضاء: كما قال تعالى (فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء) المائدة: 14، فنسيان الناس وتركهم لبعض أحكام الدين لابد أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء عقوبة قدرية، فكيف بترك أحكام الشريعة جملة واستبدل قوانين الكفار بها؟. وهل كثرة العداوات بين الناس في البلدان المحكومة بهذه القوانين إلا بسبب ذلك؟. وهل العداوات بين مختلف البلدان الحاكمة بالقوانين إلا بسبب ذلك؟.
14 -وهي شريعة الدمار والهلاك: كما قال تعالى (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) الإسراء: 16، قال الشيخ الشنقيطي [التحقيق الذي دلّ عليه القرآن أن معنى الآية: أمرنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمرنا، فوجب عليهم الوعيد فأهلكناهم] [2] . وقد سبق بيان أنها شريعة الظلم، والظلم لايأتي إلا بالخراب والهلاك، قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) القصص: 59.
وبعد، فقد كانت هذه بعض صفات القوانين الوضعية وصفات واضعها. وكل شريعة لابد أن تصبغ المجتمع الذي تحكمه بصبغتها وتطبعه بصفاتها، فإن الصفات لها آثار لازمة لابد أن تظهر حيثما وُجدَ الموصوف. فكما أن شريعة الله لابد أن تظهر آثار صفاتها من العدل والرحمة والحكمة والأمن والخير والهدى والرشاد حيثما حَكَمَت هذه الشريعة كما كانت عليه المجتمعات الإسلامية من قبل، فكذلك قوانين الكفار لابد أن تصبغ المجتمعات التي تحكمها بصبغتها وصفاتها من الكفر والظلم والضلال والخراب والضنك والمصائب والعداوة والبغضاء واتباع الأهواء والفساد بشتى صوره. فإن قيل: إن بعض بلاد الكفار الأصليين والذين يحكمون بهذه القوانين تشهد رخاءً اقتصاديا، لاضنك فيها ولاخراب؟ فالجواب: أنه أي عقوبة أشد من استمرارهم على الكفر الذي هم عليه، وإن هذا الرخاء ماهو إلا استدراج من الله ليحسبوا أنهم على الحق فيظلوا على كفرهم وضلالهم فيُختم لهم به وبئست الخاتمة، قال تعالى (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ) المؤمنون: 55 - 56، وقال تعالى (وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ
(1) (البداية والنهاية) 13/ 81
(2) (أضواء البيان) 3/ 488