وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ) إبراهيم: 27، فلابد أن تلحق عقوبات الله القدرية بالبلاد المحكومة بهذه القوانين وأهلها.
أما آثار الحكم بهذه القوانين في البلاد التي كانت إسلامية فهي ماثلة للعيان، ظلم وخراب، وضنك وخوف، ومصائب وعداوات، ولنقرأ وصف الشيخ أحمد شاكر للحال بهذه البلاد، وأنقل كلامه باختصار، قال رحمه الله: [وأنتم تحكمون بقوانين لا تمُتُّ إلى الإسلام بصلة ٍ، بل هي تنافيه في كثير من أحكامها وتُناقضه، بل لا أكونُ مغاليًا إذا صرَّحْتُ أنها إلى النصرانية الحاضرة أقربُ منها إلى الإسلام ... هذه القوانين كادت تصبغُ النفوس كلِّها بصبغة غير إسلامية، وقد دخلت قواعدها على النفوس فأُشْرِبتَها، حتى كادت تفتنُها عن دينها، وصارت القواعدُ الإسلامية في كثير من الأُمور مَنكَرة مستنكرة، إن القوانين إذا حُكِمَتْ بها أمةٌ السنين الطوَال تغلغلتْ في القلوب، ونَكَتَتْ فيها آثارًا سوداء أو بيضاء، وصُبِغَتْ بها الروحُ، ومَرَنَتْ عليها النفْسُ. وهذه القوانين الأجنبيةُ أثَّرت أسوأ الأثر في نفوس الأمة، وصبغتها صبغة إلحادية مادية بحتة، كالتي ترتكِسُ فيها أُوربة، ونزعت من القلوب خشية اللهِ والخوف منه. وكان التشريع الإسلامي يدخل القلوب ويرققها ويطهرها من الدنايا. فكان المسلمُ إذا حَكم الحاكم أو قضي القاضي، علم أن دينه يأمره في دخيلة نفسه أن يسمع ويُطيع، وأنه مسؤول عن ذلك بين يدي الله يوم القيامة، قبل أن يكون مسؤولا عند الناس. وعلم أنه إن عصَى ماقضى به قاضيه، كان عاصيًا لربه، حتى لو أيقن أن القاضيَ مخطئ في قضائه. وكان المقضيُّ له مأمورًا من قِبَلِ دينه أن لا يأخذ ماقُضي له به إن كان يعلم أنه غيرُ حقه، كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحَنَ بحجته من بعضٍ، فأقضي له على نحو مما اسمعُ منه، فمن قَطعتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذْه، فإنما أقطعُ له به قطعة من النار» .
هذه تربيةُ الشريعة للأمة. فانظروا تربيةَ القوانين المادية الأجنبية، لم يحترمها المسلمون في عقيدتهم ودينهم، وإنما رَهِبوها وخافوا آثارَها الظاهرة، ولم يعتقدوا وجوبَ طاعتها في أنفسهم، فكان مانرى من اللَّدَدِ في الخصومة، والإسراف في التقاضي، واتباع المطامع، والتغالي في إطالة الإجراءات، والتَّفَصِّي بالحيل القضائية عن تنفيذ الأحكام، وعمَّ هذا كلُّه دُورَ القضاء، شرعيةً وغيرها. ذلك أن الناس مردت نفوسهم على الباطل، وفقدوا قلوبهم، فاتبعوا شهواتهم وأسلسُوا لشيطان المادة مقادهم. وكان مانرى من إباحية ٍ سافرة ٍ فاجرة ٍ، عصفت بالأخلاق السامية، والتقاليد النبيلة، حتى كادت تُوردُنا موارد الهلكة.
ثم قد أجرمت هذه القوانين في حق الأمة والدين أكبر الجرائم، فبثَّتْ في كثير من الناس روحَ الإلحاد والتمرد على الدين، أو حَمَتْها وساعدت على بقائها ونمائها. وحَمَت التبشيرَ وماوراءه من منكراتٍ ومفاسد، بما تدعيه من حرية الأديان.
كان من أثر مبادئ التشريع الحديث أن تعجز الأمة عن تربية ناشئتها على قواعد الإسلام، وأن تُحاول جعل تعليم الدين إجباريًا في مدارسها فلا تصلُ إليه، وأن تُوجد في البلد مدارس تُرُبِّي أبناء المسلمين وتعلمهم غير دينهم، وغير لغتهم، فتسلخُهم من الأمة، ثم يكونون حربًا عليها في عقائدها وآدابها. وأن يكون ذلك عن رِضَى المستضعفين من آبائهم، وأن يأبى مديروا هذه المدارس أن يسمعوا لأمر وزارة المعارف، إذ أمرتهم بتعليم الإسلام لأبناء المسلمين، بما يشعرون في أنفسهم من كِبر ٍ وغرور، وبما يتوهمون فينا من ضعف ٍ ولين ٍ، وبما يظنون من حمايتهم بمبادئ التشريع الحديث.
وكان من أثر التربية المدنية المادية، والغلوّ في تقليد أُوربة وتَرَسُّمِ خُطَاها، أن ظَنَّ ضعاف الإيمان أن التعليم الجامعيَّ لايكون صحيحًا إلا بمحاربة الدين، أو بالانسلاخ من الدين. فذهب الذين تَوَلَّوْا كِبْره منهم يُذيعون هذا النَّغم، ويضربون على هذا الوتر، يستهوون العقول الناشئة، ويستميلون القلوب الغضَّة. يريدون أن يخدعوا الشباب، والشَّباب سياج الأُمة والدين.