فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 1285

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآيات السابقة من سورة سبأ [قال الله عز وجل متهددا لهم ومتوعدا ومخبرًا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) وهم الأتباع (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) منهم وهم قادتهم وسادتهم (لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) أي لولا أنتم تصدونا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به، فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم) أي نحن فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولابرهان وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك ولهذا قالوا (بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي بل كنتم تمكرون بنا ليلا ونهارًا وتغرونا وتمنُّونا وتخبرونا أنّا على هدى وأنّا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومِين. قال قتادة وابن زيد (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) يقول بل مكركم بالليل والنهار، وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم مكركم بالليل والنهار (إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا) أي نظراء وآلهة معه وتقيموا لنا شبها وأشياء من المحال تُضِلونا بها (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) أي الجميع من السادة والأتباع كلٌُ ندم على ماسلف منه (وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي إنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم] [1] .

والمقصود هنا بيان أن تقصير الأئمة في القيام بواجبهم في تعليم الرعية لايُسقط عن الرعية وجوب طلب العلم إذ كان طلبه فرض عين على كل مسلم - كما سبق في الباب الثاني - وإن كان واجب الأئمة تيسير طلب العلم على الرعية، فإذا لم يقوموا بهذا شقَّ الأمر على الرعية ولم يَسقُط عنهم الواجب، والأجر على قدر النَّصب.

كذلك فإنه إذا قام الأئمة بتضليل الرعية كان عليهم وزر الرعية من غير أن يُسقط هذا وِزْر الرعية، لقوله صلى الله عليه وسلم (ومن دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لاينقص ذلك من أوزارهم شيئا) [2] .

والخلاصة أن عوام المسلمين في عصرنا هذا لايُعذرون في القعود عن طلب العلم الواجب بسبب غياب إمام المسلمين أو بسبب تضليل الحكام المفسدين للرعية بمختلف الوسائل.

وبالله تعالى التوفيق.

(1) (تفسير ابن كثير) ج 3 ص 539

(2) رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت