فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 1285

الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) الأحزاب: 36 وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإن ماشرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء: 65 وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا عمن يقتدي بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئنّ قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شئ وحكّ في صدره بشبهة موجودة، ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لايوثق بعلمه وبدينه بل هو معروف باتباع الهوى فهنا يرجع المؤمن إلى ماحاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون [[1] .

خلاصة القول في هذه المسألة: هل فتوى المفتي مُلزمة للمستفتي ديانة ً؟

فتوى المفتي قد تكون مُلزمة للمستفتي، وقد يحرم عليه العمل بها، وقد يجب عليه أن يتوقف فيها، وبيان هذه الأحوال كالتالي:

1 -تكون فتوى المفتي ملزمة للمستفتي، ويجب عليه أن يعمل بها بشروط ثلاثة:

الشرط الأول: أن يكون المفتي ممن يوثق بعلمه وعدالته.

الشرط الثاني: أن يكون الاستفتاء - أي السؤال - مطابقًا لحقيقة الحال في الباطن.

الشرط الثالث: أن تكون الفتوى معتمدة على دليل شرعي معتبر، أو يخبره المفتي أن هذا هو حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فإن استوفت الفتوى هذه الشروط صارت ملزمة للمستفتي - ديانة - ويجب عليه أن يقبلها ويعمل بها، وإن لم ينشرح صدره لها، بل يجب عليه شرعا أن ينشرح صدره لها.

أما دليل وجوب عمله بهذه الفتوى، فقوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) الأحزاب: 36، وقوله تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) النور: 51.

وأما دليل وجوب انشراح الصدر لمثل هذه الفتوى المشتملة على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء: 65.

2 -ويحرم العمل بفتوى المفتي في أحوال منها:

أ - إذا علم المستفتي أن الباطن والحقيقة بخلاف الفتوى. كأن يزوّر المستفتي سؤاله بطريقة تجعل المفتي يجيبه بالجواز والإباحة في شئ يعلم المستفتي أنه محرم عليه وأن المفتي سيجيبه بالتحريم لو أتى بالسؤال على وجهه الحقيقي، ونحو ذلك. ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بَشَرٌُ، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار) [2] .

ب - إذا علم المستفتي أن المفتي ليس أهلا للفتوى، كأن يكون المفتي جاهلا أو فاسقا.

(1) (جامع العلوم والحكم) ط دار الفكر، ص 221 - 223.

وقد تكلم الشاطبي بكلام طويل حسن في هذا الحديث «استفت قلبك» ونقل فيه قول الطبري، رحمهما الله، وذلك بكلام قريب مما ذكره ابن رجب، فراجعه إن شئت في (الاعتصام) للشاطبي ج 2 ص 153 - 163، ط دار المعرفة، 1402هـ

(2) رواه البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها (ح 7169)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت