فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 1285

2 -قول الله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَامُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سبأ: 31 - 33. وهذا نص في أن الكبراء إذا دعوا إلى الضلالة لم يكن هذا عذرًا للعامة في متابعتهم ولا عذرًا في رفع الحرج والإثم عن العامة. وقد سبق الكلام في هذه الآيات في آخر الفصل السابق (الأول) من هذا الباب.

3 -وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لاينقصُ ذلك من آثامهم شيئا) [1] . والشاهد منه أن تقصير العالم في تبليغ الحق حتى يصل به الأمر إلى الدعوة إلى الضلالة لايرفع المؤاخذة عمن تابعه من الناس، إذ كان طلب الحق فرضا عليهم.

وقال ابن عبدالبر [قال ابن مسعود رضي الله عنه: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كَفَر كَفَر فإنه لا أسوة في الشر] [2] .

خلاصة هذه المسألة:

أن تقصير العالم في تبليغ العلم، لايُسقط عن العامي وجوب طلب العلم والحق، لأن هذا واجب مستقل على العامي غير مشروط بقيام العالم بواجبه، قال صلى الله عليه وسلم (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وقد سبق هذا الحديث في الباب الثاني.

بل قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن العالم الضال المضل والدعاة إلى البدع والضلالات إذا تابوا توبة صادقة تاب الله عليهم وتسقط عنهم أوزار أتباعهم، مع بقاء هذه الأوزار على الأتباع إلا أن يتوبوا. فقد ذكر شيخ الإسلام قول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) الزمر: 53، ثم قال رحمه الله [وهذه آية عظيمة جامعة من أعظم الآيات نفعًا. وفيها رد على طوائف. رد على من يقول إن الداعي إلى البدعة لاتقبل توبته، ويحتجون بحديث إسرائيلي، فيه: «أنه قيل لذلك الداعية فكيف بمن أضللت؟» وهذا يقوله طائفة ممن ينتسب إلى السنة والحديث وليسوا من العلماء بذلك، كأبى علي الأهوازي وأمثاله ممن لايميزون بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة، وما يحتج به وما لايحتج به، بل يروُون كل ما في الباب محتجين به.

وقد حَكَى هذا طائفةٌ قولا ً في مذهب أحمد أو رواية عنه، وظاهر مذهبه مع مذاهب سائر أئمة المسلمين أنه تقبل توبته كما تقبل توبة الداعي إلى الكفر، وتوبة من فَتَن الناس عن دينهم.

وقد تاب قادة الأحزاب: مثل أبي سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو. وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم بعد أن قُتِلَ على الكفر بدُعائِهم مَنْ قُتِلَ، وكانوا من أحسن الناس إسلامًا وغفر الله لهم. قال تعالى: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) الأنفال: 38. وعمرو بن العاص كان من أعظم الدعاة إلى الكفر والإيذاء للمسلمين. وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم «ياعمرو أما علمت أن الإسلام يَجُبُّ ماكان قبله؟!» .

وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود في قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) الإسراء: 57 قال كان ناسٌ من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم أولئك الجن والإنس يعبدونهم. ففي هذا أنه لم يضر الذين أسلموا عبادة غيرهم بعد الإسلام لهم، وإن كانوا هم أضلوهم أولا.

(1) رواه مسلم

(2) (جامع بيان العلم) ج 2 ص 114

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت