وأيضا فالداعي إلى الكفر والبدعة وإن كان أضل غيره فذلك الغير يعاقب على ذنبه: لكونه قَبِلَ من هذا واتبعه. وهذا عليه وِزُره ووِزْرُ من اتبعه إلى يوم القيامة مع بقاء أوزار أولئك عليهم، فإذا تاب من ذنبه لم يبق عليه وزره ولاماحمله هو لأجل إضلالهم، وأما هم فسواء تاب أو لم يتب حالهم واحد: ولكن توبته قبل هذا تحتاج إلى ضد ماكان عليه من الدعاء إلى الهدى. كما تاب كثير من الكفار وأهل البدع. وصاروا دعاة إلى الإسلام والسنة. وسحرةُ فرعونَ كانوا أئمة في الكفر ثم أسلموا وختم الله لهم بخير.] [1] .
ولهذا نقول إن قعود العلماء عن أداء واجبهم في الجهر بالحق وتبليغه، ليس عذرًا يُسقط عن العامة وجوب طلب الحق بأنفسهم. وكذلك لو قام العلماء بخلاف ما يجب عليهم.
وقد اتفقت أقوال العلماء على أن من لم يجد من يُفتيه ويعلمه في بلده أنه يجب عليه الرحيل إلى حيث يجد ذلك. قال ابن حزم [فإن لم يجدوا في محلتهم مَن يفقههم في ذلك كله كما ذكرنا، ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم ولو أنهم بالصين] [2] ، وقال الخطيب البغدادي [أول مايلزم المستفتى إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتى ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره] [3] . ونقل ابن عبد البر عن إسحق بن راهوية أن الرحلة لطلب العلم الواجب العيني لا يجب استئذان الوالدين فيها، قال إسحق [وماوجب عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه] [4] . وبهذا قال أحمد ابن حنبل أن المرء لايستأذنهما في طلب فرض العين من العلم [5] .
وبهذا نختم هذا الفصل المعقود لبيان واجب العلماء في تبليغ العلم، وبالله التوفيق.
(1) (مجموع الفتاوى) ج 16 ص 23 - 25
(2) (الإحكام) ج 5 ص 123
(3) (الفقية والمتفقة) ج 2 ص 177
(4) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 9
(5) ذلك فيما نقله ابن مفلح في (الفروع) 6/ 199، ط مكتبة ابن تيمية