فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 1285

ولهذا قال محمد بن سيرين رحمه الله [إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم] [1] ، وروى عنه أيضا قال: [لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السُّنة فيؤخذ منهم وإلى أهل البدعة فلا يؤخذ منهم] . فدَلَّ هذا على وجوب البحث في حال من يؤخذ عنهم العلم.

وروي ابن عَدِيّ الجرجاني بإسناده عن إبراهيم النخعي رحمه الله (ت 96 هـ) قال: [كنا إذا أردنا أن نأخذ عن شيخ، سألناه عن مطعمه، ومشربه، ومُدْخله، ومُخرجه، فإن كان على استواء أخذنا عنه، وإلا لم نأته] [2] . وهذا مثال يبيّن الواجب على طالب العلم وكيف يجب عليه البحث عن الأمناء من أهل العلم ليأخذ عنهم دينه.

3 -إحسان الدلالة على المعلِّم: فكما يجب على المسلم البحث عن العالم الصالح ليأخذ عنه العلم - سواء كان من العلماء الأموات أو الأحياء -، فإنه يجب عليه إذا استشاره غيره أو أراد أن يدل غيره على عالم ٍ ألا يدله إلا على العلماء الصالحين، فوجب عليه معرفة علاماتهم ليَميِّزهم مِن علماء السوء. والمسلم إذا دَلَّ غيره على عالم فلا يخلو حاله عن أن يكون داعيًا إلى هدى إذا دلّ على عالم صالح أو داعيًا إلى ضلالة إذا دلّ على عالم سوء. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لاينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لاينقص ذلك من آثامهم شيئا) [3] ، وقال النووي في شرحه [وأن من دعا إلى هدىً كان له مثل أجور متابعيه، أو ضلالة ٍ كان عليه مثل آثام تابعيه سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقا إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو أدب أو غير ذلك] [4] .

ويدخل في هذا من يدلّ غيره على عالم ٍ ليتعلم منه أو على كتاب ٍ ليقرأه أو على جماعة ٍ ليتبعها، فإن دَلّه على خير فله أجر، وإن دَلَّه على شر ٍ فعليه وزر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن العبد ليتكلم بالكلمة مايتبيّن فيها، يزِلُّ بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) [5] . فوجب على كل مسلم التبيّن والتحرّي قبل أن يدل غيره على عالم أو كتاب أو جماعة، فقد يتكلم بكلمة يسخط الله بها عليه إلى يوم يلقاه كما صح الحديث بذلك.

بعد بيان أهمية معرفة علامات العلماء الصالحين وعلماء السوء، نشرع في بيان هذه العلامات بإذن الله.

ثانيا: علامات العلماء الصالحين وعلماء السوء.

ونذكر فيها: الإخلاص والعدالة والإصابة والعمل بالعلم والزهد في الدنيا والتواضع والخشية ولها صور كثيرة، فالعالم الصالح هو من اتصف بهذه العلامات وعالم السوء بعكسه.

1 -العلامة الأولى (الإخلاص) : سبق الكلام فيه من قبل، وأنه قصدُ الله تعالى وحده بالعمل، وهو وإن كان من أعمال القلب إلا أن له علامات ظاهرة يستدل بها عليه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مُضغة ً إذا صَلَحت صَلَحَ الجسدُ كله، وإذا فسدت فَسَدَ الجسدُ كله، ألا وهى القلب) [6] . فإذا خَشَع القلب خشعت الجوارح، وإذا أحب القلب ظهر أثره في الأعمال وكذلك إذا أبغض.

فالإخلاص في طلب العلم يظهر أثره في العلامات التالية: وهى العدالة والعمل بالعلم والزهد والتواضع والخشية، وكلما

(1) رواه مسلم في مقدمة صحيحه

(2) (الكامل في ضُعفاء الرجال) لابن عدي، ط دار الفكر، 1409هـ، ج 1 ص 154 - 156

(3) رواه مسلم

(4) (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 6 ص 227

(5) متفق عليه

(6) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت