نقص إخلاصه كلما نقص حظه من هذه العلامات.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله - في علامات العلماء الصالحين[فمنها أن لايطلب الدنيا بعلمه، فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخسّتها وكدورتها وانصرامها، وعِظَم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة مُلْكِها ويعلم أنهما متضادتان، وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، فإن من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذاتها بألمها ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل. فإن المشاهدة والتجربة ترشد إلى ذلك فكيف يكون من العلماء مَن لاعقل له؟، ومن لايعلم عظم أمر الآخرة ودوامها فهو كافر مسلوب الإيمان فكيف يكون مِن العلماء مَن لا إيمان له ومن لا يعلم مضادة الدنيا للآخرة وأن الجمع بينهما طمع في غير مطمع؟ فهو جاهل بشرائع الأنبياء كلهم، بل هو كافر بالقرآن كله من أوّله إلى آخره، فكيف يعدّ من زمرة العلماء؟ ومن علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة على الدنيا فهو أسير الشيطان قد أهلكته شهوته وغلبت عليه شقوته فكيف يعد مِن حزب العلماء مَن هذه درجته؟.
ولذلك قال الحسن رحمه الله: عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة، ...
وقال عمر رضي الله عنه: إذا رأيتم العالم محبًا للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب ٍ يخوض فيما أحب، ...
وكان يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله يقول لعلماء الدنيا: يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية فأين الشريعة المحمدية؟ قال الشاعر:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنهافكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟ ...
وقد وصف الله علماء السوء بأكل الدنيا بالعلم، ووصف علماء الآخرة بالخشوع والزهد، فقال عزوجل في علماء الدنيا: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) آل عمران: 187، وقال تعالى في علماء الآخرة: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ) آل عمران: 199] [1] .
2 -العلامة الثانية (العدالة) : العدالة صفة مُطالب بها آحاد المسلمين فكيف بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء؟.
فالعدالة من صفات العالم الصالح بل من شروط قبول قوله وفتواه في دين الله تعالى، والفسق من صفات عالم السوء الذي لايقبل قوله ولا فتواه في دين الله تعالى.
ونذكر فيما يلي تعريف العدالة ثم شروطها وضوابطها
أما تعريف العدالة:
فقيل هى (استواء أحوال المرء في دينه) .
وقيل هى (مَلَكَة - أي هيئة راسخة في النفس - تمنع من اقتراف كبيرة، أو صغيرة دالّة على الخِسة، أو مباح يُخِل بالمروءة) . قال السيوطي: [وهذه أحسن عبارة في حدّها، وأضعفها قول من قال: اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر، لأن مجرد الاجتناب من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كافٍ في صدق العدالة] [2] .
وأما شروط العدالة وضوابطها فثلاثة: أداء الفرائض برواتبها، واجتناب المحرمات، واستعمال المروءة، وهذا بيانها:
(1) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 74 - 76 باختصار
(2) (الأشباه والنظائر) ط دار الكتاب العربي 1407هـ، ص 608