فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 1285

أ - أداء الفرائض برواتبها: فليس بعدل ٍ من داوم على ترك الرواتب، فإن تهاونه بها يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وربما جَرَّ إلى التهاون بالفرائض، وكذا ماوجب من صوم وزكاة وحج. وانخرام العدالة بالمداومة على ترك السنن الراتبة هو مذهب جماهير العلماء ولايشكل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفلح إن صدق) الحديث، لمن اقتصر على الفرائض دون النوافل، فإنه قيّد فلاحه بالصدق في هذا وهو مالا يمكن الجزم به لآحاد الناس، هذا فضلا عما ثبت من أن التقصير في أداء الفرائض ينجبر بالنوافل، وقد جعل الله للواجبات حِميً من المندوبات للترهيب من ترك الواجب، كما جعل للمحرمات حِميً من المكروهات للترهيب من فعل المحرم، فإن من داوم على فعل المندوب كان لفعل الواجب أدوم، ومن داوم على ترك المكروه، كان للحرام أشد تركًا، وقد دل على هذا كله حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن) [1] .

ب - اجتناب المحرَّم: بأن لايأتي كبيرة ولايُدْمِن على صغيرة. لقوله تعالى (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6، وقال تعالى في القاذف (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور: 4، ويُقاس عليه كل مرتكب كبيرة لأنه مستخف بدينه ولايؤمَن من مثله الكذب على الله وعلى الناس.

والكبيرة هى: [مافيه حَدّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة] وهذا قول أحمد بن حنبل رحمه الله، وزاد ابن تيمية رحمه الله [أو ماورد فيها لعنة أو غضب أو نفي إيمان] . وهذا كله من الوعيد فمن لَعَنَهُ الله ُ أو غضب عليه فقد توعّده، فكأن ابن تيمية فصَّل ماأجمله أحمد. وأقول: ومن الكبائر ماورد النص بأنه كبيرة كأحاديث (أكبر الكبائر .... ) و (اجتنبوا السبع الموبقات .... ) و (بلى إنه لكبير ) ، ومن الكبائر ماورد النص بوصف صاحبه بالفسق كقوله تعالى (بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) الحجرات: 11.

والصغيرة: ما دون ذلك، ولا تجرح العدالة بفعلها إلا إذا أكثر منها أو أدْمنها، قال تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) النجم: 32.

ج - استعمال المروءة: بفعل مايُجَمِّله ويُزَيِّنه من مكارم الأخلاق وترك مايُدنِّسه ويشينه مما يُستقبح عرفا لا شرعا (إذ إن المستقبح شرعا يلتحق بالكبائر والصغائر) أما المستقبح عرفا فمثل من يكشف من بدنه ماجرت العادة بتغطيته وإن لم يكن كشفُه حراما، وككشف الرأس بالبلاد التي جرت العادة فيها بتغطيته، والأكل بالأسواق بالبلاد التي يستقبح فيها ذلك، ولُبس الثياب المستنكرة، وحكاية المضحكات.

وأصل اعتبار المروءة ضمن شروط العدالة [2] هو قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [3] . فإن من لايستعمل المروءة بمخالفة عرف أهل بلده دل ذلك على عدم حيائه، ومن لم يستح يتوقع منه الكذب ونحوه للحديث (إذا لم تستح فاصنع ماشئت) . ولايخفى أن العرف المعتبر هو مالا يخالف الشرع.

إذا تبيَّن لك معنى العدالة وشروطها، فاعلم أن من نواقضها ترك فريضة أو ارتكاب كبيرة، ومن الكبائر: المحرمات التي ذكرنا بعضها في صفة فرض العين من العلم في الفصل الثاني من الباب الثاني، ومن الكبائر كتمان العلم والحق خاصة مع حاجة الناس لبيانه، وذلك للوعيد الوارد في حق من يكتم الحق، قال تعالى (أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ

(1) متفق عليه

(2) يُراجع في تعريف العدالة: (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 15 ص 356 - 358، و (منار السبيل) ج 2 ص 487 - 489.

(3) رواه البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت