فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 1285

اللَّاعِنُونَ) البقرة: 159.

وكل من انخرمت عدالته بسبب ٍ أو بآخر فهو فاسق، لايجوز استفتاؤه ولايُقبل فتواه ولاخبره في دين الله تعالى، لأمر الله تعالى بالتوقف في قبول خبر الفاسق، قال تعالى (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات: 6، وقال تعالى (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور: 4، هذا مع إخباره تعالى بحرمان الفاسقين من التوفيق وذلك في قوله تعالى (وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) التوبة: 24. وقال الخطيب البغدادي [علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين وإن كان بصيرًا بها] [1] . وقال أبو عمرو ابن الصلاح [لا تصح فتيا الفاسق وإن كان مجتهدًا مستقلًا، غير أنه لو وقعت له في نفسه واقعة عمل فيها باجتهاد نفسه ولم يستفت غيره] [2] . وسيأتي مزيد تفصيل لهذه المسألة في الباب الخامس عند الكلام في العدالة ضمن شروط المفتي إن شاء الله تعالى.

والخلاصة: أن العدالة من صفات العالم الصالح، وأن الفسق من صفات عالم السوء وهو مانع من قبول خبره وفتواه في الدين.

3 -العلامة الثالثة (الإصابة في الفتوى) : وهى من علامات العلماء الصالحين إذ تدل الإصابة في الفتوى على صفتين من صفات العلماء الصالحين، وهما:

أ - العلم وأنه ليس من الجُهَّال المتكلفين المدَّعين للعلم.

ب - والخشية: قال تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) فاطر: 28، خاصة إذا كان العالِم يُستفتى فيما لايوافق هوى ذوي النفوذ والسلطان، فإذا جهر بالحق في ذلك، دل على تقواه وخشيته لله تعالى. قال تعالى (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) الأحزاب: 39، فهذه صفة الأنبياء عليهم السلام وهكذا ينبغي أن يكون ورثتهم من العلماء، يُبَلِّغون حكم الله ويخشونه ولايخشون أحدًا غيره.

قال البخاري: قال الحسن البصري رحمه الله [أخذ الله على الحكام أن لايتبعوا الهوى ولايخشوا الناس، ولايشتروا بآياته ثمنا قليلا، ثم قرأ (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ص: 26. وقرأ (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44] [3] ، والمقصود بالحكام القضاة وكل من حَكَم بين الناس.

ج - والإصابة في الفتوى من علامات توفيق الله تعالى للعالم، أن يهديه الله لمعرفة الحق، لقوله تعالى (فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) البقرة: 213، وقوله تعالى (إَن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) الأنفال: 29، وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ

(1) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 156

(2) (أدب المفتي والمستفتي) لابن الصلاح ص 107

(3) (كتاب الأحكام) من صحيح البخاري - باب 16 (فتح الباري) ج 13 ص146

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت