فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 1285

بِهِ) الحديد: 28، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يُرد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين) [1] .

وكأن هذا التوفيق الإلهي ثواب من الله تعالى للعالم المتَّصف بالعلم والخشية، من باب (الجزاء من جنس العمل) وهى قاعدة قدرية وشرعية كما قال ابن تيمية رحمه الله [الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قَدَرِ الله وفي شرعه، فإن هذا من العدل الذي تقوم به السماء والأرض] [2] .

وبضد الإصابة في الفتوى: كثرة الخطأ والتخليط فيها فإنها من علامات علماء السوء إذ يدل كثرة الخطأ والتخليط على صفاتٍمَن اتصف بها كان من علماء السوء، وهى:

أ - الجهل، وأنه ليس من العلماء المؤهلين لتبليغ دين الله تعالى، كما في حديث قبض العلم وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اتخذ الناس رءوسا جُهّالا فسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا) [3] .

ب - تعمّد الخطأ، فقد يكون الرجل عالما مُتْقِنًا للعلم، ولكنه يتعمد الخطأ، وهذا له صور وله أسباب:

أما صور تعمّد الخطأ فمنها ماذكره الله تعالى في قوله (وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة: 42، وقوله تعالى (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) النساء: 46، وقوله تعالى (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) البقرة: 79. هذه بعض صور تعمّد الخطأ وكلها تؤدي إلى تضليل الناس، وهذا موجود في الفرق الضالة قديما وحديثا، وفي علماء السوء في كل مِلّة وكل زمان ومكان، فلبس الحق بالباطل: منه الاستدلال بالنصّ في غير موضعه، وكتم الحق: بالامتناع عن الجهر به وتبليغه، وتحريف الكلم: منه التأويل الفاسد وتحميل النصوص مالا تحتمله من المعاني.

أما سبب تعمد الخطأ، فسبب واحد - وإن كانت له صور متعددة - وهو استحباب الحياة الدنيا والحرص عليها، ومن صور ذلك حب المال وكنزه وحب الجاه والمنصب، وإنما قلنا إنه سبب واحد إذ قد قرن الله تعالى تعمّد علماء السوء للخطأ باستحباب الدنيا كما في قوله تعالى (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) البقرة: 79. وقوله تعالى (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) آل عمران: 187، وقال تعالى (إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) التوبة: 34.

وهكذا ترى أن الله تعالى قرن كتمان الحق والصد عن سبيله بشراء الثمن القليل وهى الدنيا ومتاعها، كما قال تعالى (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ) النساء: 77.

وفي الجملة فإن كثرة الخطأ في الفتوى والتخليط فيها سواء كان ذلك عن جهل أو عن عمد فهو من علامات علماء السوء، فمن فعل ذلك عن عمد فهو من المغضوب عليهم ومن فعله عن جهل فهو من الضالين.

(فائدة) ليس من شرط العالم الصالح أن يعرف الأحكام كلها، كما ليس من شرطه ألا يخطيء.

أما الأول: فليس من شرطه معرفة الأحكام كلها، ولكن من شرطه مع ذلك أنه إذا سُئِل عما لا يعرفه أن يقول لا أدري أو لا أعلم أو الله أعلم. كما سبق بيانه في آداب إلقاء الدرس.

(1) متفق عليه

(2) (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 119

(3) متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت