قال أبو حامد الغزّالي رحمه الله [وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كل مسئلة، فقد سُئِل مالك رحمه الله عن أربعين مسئلة فقال في ست وثلاثين منها لا أدري، وكم توقف الشافعي رحمه الله بل الصحابة في المسائل، فإذًا لايشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يُفتي فيفتي فيما يَدري، ويَدري أنه يَدري، ويميِّز بين مالا يَدري وبين مايَدري، فيتوقف فيما لايدري، ويفتي فيما يدري] [1] .
وأما الثاني: فإذا كانت الإصابة في الفتوى من علامات العالم الصالح فالمراد بذلك أن يكون الغالب عليه الإصابة وليس من شرطه ألا يخطيء وإلا كان معصوما وهذا ممتنع. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) [2] ، فبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العالم وإن بلغ مرتبة الاجتهاد في الشريعة فإن الخطأ جائز عليه، وأنه مأجور مع ذلك، ولايُمنع من الحكم والفتوى لكونه أخطأ، ولكن لايُعمل بما أخطأ فيه ولاينفذ إن كان حكمًا، للحديث (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ) [3] . قال ابن عبدالبر رحمه الله [وروى مالك بن أنس عن سعيد بن المسيب بلغه عنه أنه كان يقول: ليس من عالم ولاشريف ولاذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصُه لفضله، كما أنه من غلب عليه نقصانه ذهب فضله. وقال غيره: لايسلم العالم من الخطأ فمن أخطأ قليلا وأصاب كثيرا ً فهو عالم، ومن أصاب قليلا وأخطأ كثيرًا فهو جاهل] [4] .
وقال ابن تيمية رحمه الله [أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتوى أخطأ في مائة مسألة لم يكن ذلك عيبا، وكل من سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يصيب ويخطيء. ومن منع عالمًا من الإفتاء مطلقًا، وحَكمَ بحبسه لكونه أخطأ في مسائل: كان ذلك باطلا بالإجماع] [5] .
وقال ابن تيمية أيضا [أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أفتى في عدة مسائل بخلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه. وخلاف ماعليه الخلفاء الراشدون: لم يجز منعه من الفتيا مطلقًا، بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه. فما زال في كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك. فابن عباس رضي الله عنهما كان يقول في «المتعة والصرف» بخلاف السنة الصحيحة، وقد أنكر عليه الصحابة ذلك، ولم يمنعوه من الفتيا مطلقًا بل بينوا له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المخالفِة لقوله] [6] .
والمقصود من إيراد هذه الفائدة: ألا يُظن سوء بعالم لمجرد خطأ أخطأه، خاصة إذا كان غالب حاله الإصابة، وألا يمتنع طالب العلم عن الأخذ عن عالم لنفس السبب فَيُحْرَم بذلك من خير كثير.
(فائدة أخرى) انتفاع الناس بعلم عالم ليس بمجرده دليلا على صلاحه.
هذه من الأمور التي يحدث بسببها لَبْس شديد عند العوام، وكثيرًا ماأنصح الناس بالاحتراز منها. فذات مرة نصحت رجلا باعتزال إحدى الجماعات الإسلامية المنحرفة، فقال لي: إن لهم عليه فضلا كبيرًا فهو لم يعرف دينه ولم يلتزم به إلا بسببهم، فقلت له: ولو كان الأمر كذلك، فإنها جماعة سوء وهم نقلوك من شر ٍ كثير إلى شر قليل، وإنَّ هناك خيرًا وراء
(1) (المستصفى) ج 2 ص 354
(2) متفق عليه
(3) رواه مسلم
(4) (جامع بيان العلم) ج 2 ص48
(5) (مجموع الفتاوي) ج 27 ص 301
(6) (المرجع السابق) ص 311