ماأنت فيه وهم يحجبونك عن هذا الخير. ومرة أخرى سألني سائل عن رأيي في أحد الشيوخ، فقلت له: إنه زنديق ضال مُضِل، فقال لي: إنه يؤوي فئام من الشباب ويُنفق عليهم ويعلمهم العلم، فقلت له: ولو كان الأمر كذلك فإنه يختلق الشبهات لصد الشباب عن الجهاد في سبيل الله وصرفهم عن نصرة الدين، وهل هتك ستر المنافقين إلا الجهاد في سبيل الله فتخلّفوا عنه وصَدُّوا غيرهم واختلقوا الأعذار لتبرير قبيح صنيعهم، فهتك الله سترهم في سورة التوبة حتى سمّاها ابن عباس رضي الله عنهما بالفاضِحة التي فضحت المنافقين؟ [1] .
ومنشأ اللبس في هذا هو الظن بأن العالم إذا نفع الناس بشيء من العلم فلابد أن يكون صالحا، وهذا ظن خطأ، فقد ينتفع الناس بعلم رجل وهو رجل سوء، ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) [2] ، وهذا الظن يؤدي إلى ظن آخر أشد خطورة، وهو أنه إذا كان هذا العالم الذي يُنتفع بعلمه صالحا فلا شك في أن كل مايقوله صواب، هكذا يظن العوام، فيأخذ عالم السوء في تضليلهم بآرائه الفاسدة التي يدسها في ثنايا كلامه، ويخلط الحق بالباطل، والناس يظنونه كله حق، فيضلّون به. وإذا كنا قد قدّمنا أن العالم الصالح لاتشترط فيه الإصابة دائما، فكيف بعالم السوء؟.
وقد نبّه العلماء على هذه المسألة حتى لاتلتبس على الناس، فقال أبو حامد الغزالي رحمه الله [ولولا حب الرئاسة لاندرس العلم. ولايدل ذلك على أن طالب الرئاسة ناج، بل هو من الذين قال صلى الله عليه وسلم فيهم: «إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لاخلاق لهم» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» ، فطالب الرئاسة في نفسه هالك وقد يصلح بسببه غيره إن كان يدعو إلى ترك الدنيا وذلك فيمن كان ظاهر حاله في ظاهر الأمر ظاهر حال علماء السلف، ولكنه يضمر قصد الجاه، فمثاله مثال الشمع الذي يحترق في نفسه ويستضيء به غيره فصلاح غيره في هلاكه، فأما إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثل النار المحرقة التي تأكل نفسها وغيرها. فالعلماء ثلاثة: إما مهلك نفسه وغيره وهم المصرحون بطلب الدنيا والمقبلون عليها، وإما مسعد نفسه وغيره وهم الداعون الخلق إلى الله سبحانه ظاهرًا وباطنًا، وإما مهلك نفسه مسعد غيره وهو الذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدنيا في ظاهره وقَصْدُه في الباطن قبول الخلق وإقامة الجاه، فانظر من أي الأقسام أنت] [3] .
وقال ابن تيمية رحمه الله [كالشيخ الذي فيه كذب وفجور من الإنس قد يأتيه قوم كفار فيدعوهم إلى الإسلام فيسلمون ويصيرون خيرًا مما كانوا وإن كان قصد ذلك الرجل فاسدًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم» وهذا كالحجج والأدلة التي يذكرها كثير من أهل الكلام والرأي فإنه ينقطع بها كثير من أهل الباطل ويَقْوى بها قلوب كثير من أهل الحق، وإن كانت في نفسها باطلة فغيرها أبطل منها، والخير والشر درجات، فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ما هو خير منه.
وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين: من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارًا، وكذلك بعض الملوك قد يغزوغزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثمًا بذلك ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين، وذاك كان شرًا بالنسبة إلى القائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفارفهو خير.
وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب والفضائل والأحكام والقصص، قد يسمعها أقوام فينتقلون
(1) (انظر تفسير القرطبي، 8/ 61)
(2) متفق عليه
(3) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 61