بها إلى خير مما كانوا عليه، وإن كانت كذبا] [1] .
فإذا كان الأمر كذلك فإنه حَرِيّ بطالب العلم ألا يلتبس عليه ما قد يلتبس على العوام من هذا الأمر. والله سبحانه وتعالى يُضل من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
4 -العلامة الرابعة (العمل بالعلم) : العمل بالعلم من علامات العلماء الصالحين، فيعمل بعلمه في نفسه وفي أهله وفي الناس يعلمهم الخير وينهاهم عن الشر، وقد سبق الكلام في هذه المسألة في الآداب التي يشترك فيها العالم والطالب وذكرنا أن المقصود من العلم العمل، والعمل بالعلم من علامات الصدق والإخلاص والخشية.
قال أبو حامد الغزالي - في علامات العالم الصالح - (ومنها أن لا يخالف فعله قوله بل لا يأمر بالشئ مالم يكن هو أول عامل به، قال تعالى(أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة: 44، وقال تعالى (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) الصف: 3 - إلى أن قال - وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: بلغني أن الفسقة من العلماء يُبدأ بهم يوم القيامة قبل عَبَدة الأوثان. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ويلٌ لمن لا يعلم مرة وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات. - إلى أن قال - وقال حاتم الأصم رحمه الله: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علّم الناس علمًا فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك هو] [2] .
وأما عالم السوء فمن علاماته ألا يعمل بعلمه، فإذا أضاف إلى ذلك العمل بخلاف علمه صارفتنة عظيمة وشرًا مستطيرًا بسبب تقليد العوام له في الشر. قال ابن تيمية رحمه الله [كما أن معلِّم الخير يُصلي عليه الله وملائكته، ويستغفر له كل شئ حتى الحيتان في جوف البحر والطير في جو السماء. وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم، وكذلك إظهارهم للمعاصي والبدع، التي تمنع الثقة بأقوالهم. وتصرف القلوب عن اتِّباعهم وتقتضي متابعة الناس لهم، هي من أعظم الظلم، ويستحقون من الذم والعقوبة عليها مالا يستحقه من أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرهم] [3] .
وقال ابن القيم رحمه الله [علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعون إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا، قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم، فلوكان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدِلاَّء وفي الحقيقة قُطَّاَع الطرق] [4] .
5 -العلامة الخامسة (الزهد في الدنيا) وهي متفرعة عن العمل بالعلم، فإن العلم النافع يدل صاحبه على إيثار الآخرة على الدنيا، فلا يتعلق من الدنيا إلا بالضروري وهذا الزهد
وقال أبو حامد الغزالي - في علامات العالم الصالح - [ومنها أن يكون غير مائل إلى الترفه في المطعم والمشرب والتنعم في الملبس والتجمل في الأثاث والمسكن، بل يؤثر الاقتصاد في جميع ذلك ويتشبه فيه بالسلف رحمهم الله تعالى، ويميل إلى الاكتفاء بالأقل في جميع ذلك، وكلما زاد إلى طرف القلة ميله ازداد من الله قربه وارتفع في علماء الآخرة حزبه - إلى أن قال - والتحقيق فيه أن التزين بالمباح ليس بحرام، ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به حتى يشق تركه، واستدامة الزينة لا تمكن إلا بمباشرة أسباب في الغالب يلزم من مراعتها ارتكاب المعاصي من المداهنة، ومراعاة الخلق ومراءاتهم
(1) (مجموع الفتاوى) ج 13 ص 95 - 96
(2) (إحياء علوم الدين) ج1 ص77 - 78
(3) (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 187 - 188
(4) (الفوائد) ص 61