فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 1285

وأمور أخر هي محظورة والحزم اجتناب ذلك، لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها البتة] [1] . وقد سبق قريبا الكلام في بيان اقتران قول الباطل والصد عن سبيل الله باستحباب الحياة الدنيا، إذ كلما أحب العالم الدنيا وجد أنه لا يصل إليها إلا بمداهنة أصحاب الدنيا وهم السلاطين والمترفين، فلا يتكلم إلا بما يرضيهم ولو كان كذبا أو باطل، ويتجنب الكلام فيما يسخطهم ولو كتم الحق وأضل الناس. ولهذا كان التقلل من الدنيا أسلم - خاصة - للعلماء، إذ يعينهم التقلل منها على الجهر بالحق. ولهذا قال بعض السلف [إذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه على دينكم] [2] . ومصداق هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأَفْسَدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) [3] .

قال ابن القيم رحمه الله [كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، في خبره، وإلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولا سيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشهوات، فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرًا، فإن كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، لاسيما إذا قامت له شبهة فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى فيخفى الصواب وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهرًا لا خفاء به ولا شبهة فيه أقدم على مخالفته وقال لي مخرج بالتوبة، وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) مريم: 59 وقال تعالى فيهم أيضًا (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) الأعراف: 169 فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العرض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم وقالواسُيغفر لنا وإن عَرَض لهم عرض آخر أخذوه فهم مُصرون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق فيقولون هذا حكمه وشرعه ودينه وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذلك، أَوْ لا يعلمون أن ذلك دينه وشرعه وحكمه فتارة يقولون على الله مالا يعلمون، وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانه] [4] .

6 -العلامة السادسة (التواضع وحسن الخلق) من علامات العلماء الصالحين، وهي من العمل بالعلم، أما علماء السوء فبضد ذلك، سيماهم الكِبر وسوء الخُلُق.

قال ابن عبدالبر [ومن أفضل آداب العالم تواضعه وترك الإعجاب بعلمه، ونبذ حب الرياسة. ورُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله» . - إلى أن قال -

وروينا عن أيوب السختياني أنه قال: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعًا لله، وقالوا: المتواضع من طلاب العلم أكثرعلما كما أن المكان المنخفض أكثرالبقاع ماء. - إلى أن قال -

وقال إبراهيم بن الأشعث سألت الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له ممن سمعت ولو كان أجهل الناس لزمك أن تقبل منه. - إلى أن قال -

(1) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 81 - 82

(2) ذكره ابن عبد البر (جامع بيان العلم) ج1 ص 193

(3) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن كعب بن مالك رضي الله عنه

(4) (الفوائد) ص 100

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت