وعن مالك بن دينار قال: من تعلم العلم للعمل كَسَره، ومن تعلمه لغير العمل زاده فخرًا] [1] .
وقول الفضيل بن عياض مستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم (الكِبْر بَطَر الحق وغمط الناس) [2] . وبطر الحق أي ردُّ الحق وعدم قبوله، وغمط الناس أي احتقارهم، والتواضع بعكس هذا.
وقال ابن القيم[من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زِيد في علمه زِيد في تواضعه ورحمته، وكلما زِيد في عمله زِيد في خَوْفه وحَذَرِه، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قَدْرِه وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم.
وعلامات الشقاوة كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه، وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه، وكلما زيد في عمره زيد في حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في بُخله وإمساكه، وكلما زيد في قدره زيد في كبره وتيهه، وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيَسْعَدُ بها أقوام ويَشْقَى بها أقوام] [3] .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خَصْلتان لا تجتمعان في مُنَافِق: حُسْنُ سَمْتٍ، ولا فِقهٌ في دين) [4] ، وحُسْن السمت أي حسن الطريقة والسلوك. ذكر أبو حامد الغزالي هذا الحديث ثم قال [ولا تَشُكَّنَّ في الحديث لنفاق بعض فقهاء الزمان، فإنه ما أراد به الفقه الذي ظننته وسيأتي معنى الفقه، وأدنى درجات الفقيه أن يعلم أن الآخرة خير من الدنيا، وهذه المعرفة إذا صدقت وغلبت عليه بَرِئ َ بها من النفاق والرياء] [5] . ومعنى الحديث أنه يستدل على العالم الصالح باجتماع خصلتين فيه حُسن الخلق والسلوك مع الفقه في الدين وقد بيّن الغزالي المراد به. فإذا تخلفت إحدى الخصلتين لم يكن العالم صالحا بل يُخشى عليه النفاق ودل الحديث على أن بعض المتفقهة قد يكون منافقًا ويستدل عليه بسوء خلقه.
7 -العلامة السابعة (خشية الله تعالى) من علامات العالم الصالح، وهي من العمل بالعلم، وهي من أهم علامات الصلاح ولذا أخّرنا الكلام فيها، قال تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) فاطر: 28، والخشية من أعمال القلب ولها علامات ظاهرة يُستدل بها عليها وهى:
أ - منها خشية الله في نفسه: وصورتها كما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله [ومنها أن يكون حزينًا منكسرًا مطرقًا صامتًا يظهر أثر الخشية على هيئته وكسوته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته لا ينظر إليه ناظرإلا وكان نظره مذكرًا لله تعالى وكانت صورته دليلًا على عمله، فالجواد عينه مرآته، وعلماء الآخرة يعرفون بسيماهم في السكينة والذلة والتواضع، وقد قيل: ما ألبس الله عبدًا لبسة أحسن من خشوع في سكينة فهي لبسة الأنبياء وسيما الصالحين والصديقين والعلماء، أما التهافت في الكلام والتشدق والاستغراق في الضحك والحدة في الحركة والنطق، فكل ذلك من آثار البطر والأمن والغفلة عن عظيم عقاب الله تعالى وشديد سخطه، وهو دأب أبناء الدنيا الغافلين عن الله دون العلماء به، وهذا لأن العلماء ثلاثة كما قال سهل التستري رحمه الله: عالم بأمر الله تعالى لابأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام وهذا لا يورث الخشية، وعالم بالله تعالى لا بأمر الله ولابأيام الله وهم عموم المؤمنين، وعالم بالله تعالى وبأمر الله تعالى وبأيام الله تعالى وهم الصديقون، والخشية والخشوع إنما تغلب عليهم، وأراد بأيام الله أنواع عقوباته الغامضة ونعمِهِ الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة، فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه وظهر خشوعه. وقال عمر رضي الله عنه: تعلموا
(1) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 141 - 145
(2) رواه مسلم
(3) (الفوائد) ص 155
(4) رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه
(5) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 16