فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 1285

العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار والحلم وتواضعوا لمن تتعلمون منه وليتواضع لكم من يتعلم منكم ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم] [1] .

ب - ومن علامات الخشية متابعة الحق ابتغاء مرضات الله ومتابعة الدليل الشرعي وما كان عليه السلف وإن خالف الناس أو سخطوا عليه، فقد قال تعالى (فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) المائدة: 44. وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله [ومنها، أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور وإن اتفق عليها الجمهور فلا يغرنه إطباق الخلق على ما أحدث بعد الصحابة رضي الله عنهم، وليكن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم، - إلى أن قال - واعلم تحقيقًا أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف فمنهم أُخذ الدين. ولذلك قال علي رضي الله عنه: (خيرنا أتبعنا لهذا الدين) لَمَّا قيل له: خالفت فلانًا فلا ينبغي أن يكترث بمخالفة أهل العصر في موافقة أهل عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الناس رأوا رأيا فيما هم فيه لميل طباعهم إليه ولم تسمح نفوسهم بالاعتراف بأن ذلك سبب الحرمان من الجنة فادعوا أنه لا سبيل إلى الجنة سواه. ولذلك قال الحسن: محدثان أحدِثا في الإسلام: رجل ذو رأي سيء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا لها يغضب ولها يرضى وإياها يطلب فارفضوهما إلى النار. وإن رجلا أصبح في هذه الدنيا بين مترف يدعوه إلى دنياه، وصاحب هوى يدعوه إلى هواه وقد عصمه الله تعالى منهما يحن إلى السلف الصالح يسأل عن أفعالهم ويقتفي آثارهم متعرض لأجر عظيم فكذلك كونوا] [2] .

وسوف تأتي الإشارة إلى هذه المسألة - متابعة ما دَلَّ عليه الدليل وما كان عليه السلف وإن خالف الجمهور - عند الكلام في بعض الموضوعات الفقهية كالإيمان وغيره، وذلك في الباب الخاص بالكتب التي ننصح بها إن شاء الله تعالى.

أما علماء السوء فمن علاماتهم الحيدة عن الأدلة الصحيحة والأقوال الراجحة إلى تتبع رخص المذاهب المبنيّة على الأخذ بالأقوال المرجوحة لتبرير الأهواء والشهوات مع تأويلاتهم الفاسدة للنصوص واختلاق الحيل والشبهات لإسقاط الواجبات وارتكاب المحارم، قال تعالى (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) البقرة: 9.

ج - ومن علامات الخشية: الجهر بالحق وتبليغه للناس، وإن كان فيه التعرض للأذى من ذوي السلطان الذين لا يوافق الحق أهواءهم. فإن العالِم الذي يعلم الحق بين أمرين:

إما أن يبلِّغه كما أمر الله تعالى ويصبر على الأذى في هذا يبتغي الأجر من الله.

وإما أن يسكت فتسلم له دنياه، أو يداهن فتفتح عليه دنيا ذوي السلطان وأصحاب الشهوات.

والعالِم مبتلى ومختبر بهذا، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) الملك: 2، ولا يَدَع العالم السبيل الثاني ويسلك الأول إلا إذا تمكنت خشية الله تعالى من نفسه مع الإخلاص والتوكل واليقين.

ولهذا - ولما كان العالم مبتلى باختيار أحد السبيلين - فإن الله تعالى قَرَن البلاغ عنه بالتذكير بخشيته سبحانه وبالحضّ على الصبر على الأذى. فقال تعالى (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) الأحزاب: 39، وقال تعالى (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) لقمان: 17. كذلك فقد قَرَنَ اللهُ البلاغَ عنه والجهر بالحق بالنهي عن خشية الناس في هذا وبالتحذير من

(1) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 91

(2) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 95 - 96

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت