والشوكاني [1] .
وقال ابن تيمية [أجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، وبقول أو وجه من غير نظر في الترجيح] [2] .
وقال ابن القيم[لايجوز للمفتي أن يعمل بما يشاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ولايَعْتَد به، بل يكتفى في العمل بمجرد كون ذلك قولا قالَه إمام أو وجها ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأى القول وَفْقَ إرادته وغرضه عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة، وهذا مثل ماحكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نَصَبَ نفسَه للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليّ إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وقال: وأخبرني مَنْ أثق به أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتيين بما يضره، وأنه كان غائبا فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه، قال: وهذا مما لاخلاف بين المسلمين ممن يُعْتَد بهم في الإجماع أنه لايجوز، وقد قال مالك رحمه الله في اختلاف الصحابة رضي الله عنهم مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد.
وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتَّشَهِّي والتخيُّر وموافقة الغرض، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرضَ مَنْ يُحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، والله المستعان.] [3] .
فلا يكفي للاتصاف بالعلم معرفة أدلة المسائل وأقوال العلماء، بل لابد مع ذلك من معرفة الصواب من الخطأ فيها ومعرفة مايُقدم ومايؤخر منها في الاستدلال لكل مسألة وهذا هو الترجيح الذي يجب أن يحرص طالب العلم على تعلمه، ولهذا قال ابن تيمية في وصف الفقيه [الفقيه: الذي سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الجملة، وعنده مايعرف به رجحان القول] [4] .
هذا فيما يتعلق بوجوب الترجيح بين الأدلة والأقوال المتعارضة واتباع الراجح منها. وبهذا يتبيَّن فساد المبدأ القائل (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا ً فيما اختلفنا فيه) ، وهو المبدأ الذي وضعه محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار، ثم تبنّاه من بعده حسن البنا وجماعته (الإخوان المسلمون) فقولهم (نتعاون فيما اتفقنا عليه) إطلاقه خطأ وإنما الصواب ما قاله الله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة: 2. وقولهم (يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) إطلاقه خطأ أيضا لأن الاختلاف نوعان: اختلاف تضاد واختلاف تنوّع، كما ذكرهما ابن تيمية [5] ، ونقله عنه ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية [6] ، والأول (اختلاف التضاد) لاعذر فيه فليس فيه إلا صواب وخطأ، والثاني (اختلاف التنوع) الناس منه في سعة وإن كان فيه فاضل ومفضول. أما اختلاف التضاد فيجب فيه بيان الصواب من الخطأ إذ كان هذا هو عمل الأنبياء عليهم السلام والعلماء ورثتهم فيه، كما قال تعالى (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) النحل: 64، وقال صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكرا فليغيره) [7] ، وقوله
(1) (إرشاد الفحول) ص 254
(2) (الاختيارات الفقهية) جمع البعلي، تحقيق الفقي، ط دار المعرفة، ص 332
(3) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 211
(4) (الاختيارات الفقهية) ط دار المعرفة ص 333
(5) (مجموع الفتاوي، 13/ 333 ومابعدها)
(6) (ط المكتب الإسلامي 1403هـ، ص 581 ومابعدها)
(7) رواه مسلم