(منكرا) نكرة في سياق الشرط (مَنْ) فهى صيغة عموم تعم منكرات الأقوال كما تعم منكرات الأفعال. وبيان خطأ المخطيء هو مذهب جمهور علماء السلف ولم يخالف في هذا إلا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنهم إذ كانا يريان أن المرء في سعة أن يعمل بأي قول من أقوال الصحابة رضي الله عنهم، وذكر ابن عبدالبر أنهما لم يتابعا على هذا وأن مذهب جمهور العلماء أن الصحابة إذا اختلفوا فهم كما قال الإمام مالك [مخطيء ومصيب فعليك بالاجتهاد] [1] .وقال ابن القيم [وقولهم «إن مسائل الخلاف لاإنكار فيها» ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يُخالف سنة أو إجماعا شائعا وجب إنكاره اتفاقا، إلى قوله - وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرّحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أو سنة وإن كان وافق فيه بعض العلماء؟] [2] . وقال الشاطبي [فربما وقع الإفتاء في المسئلة بالمنع، فيقال: لِمَ تمنع والمسئلة مختلف فيها؟، فيجعل الخلاف حجة في الجواز بمجرد كونها مختلف فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز] . ثم قال الشاطبي [قال الخطابي: وليس الاختلاف حجة، وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين. هذا مختصر ما قال. والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له يدرأ بها عن نفسه، فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلا ً لأمر الشارع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه] [3] ، وسوف يأتي بسط القول في وجوب الترجيح وأن الاختلاف ليس حجة في الشريعة وذلك في القسم لخامس من الفصل الأول (أحكام المفتي) في الباب الخامس من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وإنما أردت التنبيه على فساد مبدأ (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه) إذ قد شاع هذا المبدأ في الناس وبعضهم يردده كأنه مبدأ مقطوع بصحته لاخلاف عليه، وكأنه آية أو حديث حجة في دين الله تعالى، وقد تبيّن لك فساد هذا المبدأ الذي يستخدمه البعض كثيرا ً لتبرير الأقوال والمذاهب الفاسدة وتمريرها لدى المسلمين حتى بلغ الأمر إلى جعل هذا المبدأ حجة في ارتكاب الشرك الأكبر كالالتحاق بالبرلمانات والترشيح لها ونحو ذلك. وبهذه المناسبة فإني أحذر إخواني المسلمين من وضع الشعارات المخترعة وترديدها، فقلما يسلم أصحاب الشعارات المخترعة من مخالفة الشريعة كما وقعت فيه سائر الفرق المبتدعة، وفي الكتاب والسنة الكفاية، ولكن الإعراض عنهما وهجرهما أحوج الناس إلى اختراع الشعارات، فكانت عقوبة قدرية لهم. قال الله عزوجل (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) العنكبوت: 51.
ج - كيفية معرفة الراجح من المرجوح.
قال ابن تيمية رحمه الله [وإذا كان في المسألة قولان: فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا قلَّد بعض العلماء الذين يُعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، والله أعلم] [4] .
اعلم أن الترجيح له وسائل لايخلو أي كتاب من كتب أصول الفقه من ذكرها، ومنها ماذكره الغزالي بآخر كتاب (المستصفى) ونقله عنه الآمدي بآخر كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) ، والشوكاني بآخر كتابه (إرشاد الفحول) . وذكر أبو بكر الحازمي في كتابه (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار) خمسين وجهًا للترجيح بين الأخبار المتعارضة.
(1) انظر (جامع بيان العلم) لابن عبدالبر، ج 2 ص 78 وما بعدها انظر (جامع بيان العلم) لابن عبدالبر، ج 2 ص 78 وما بعدها
(2) (اعلام الموقعين) ج 3 ص 300
(3) (الموافقات) ج 4 ص 140 - 141
(4) (مجموع الفتاوي) ج 20 ص 207، ومثله في ج 18 ص 43