فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 1285

فالإنسان إما أن يكون عالما مجتهدًا فهذا له أن يرجح بين المتعارضات بنفسه بوسائل الترجيح التي قررها العلماء، وإما أن يكون عاميا فهذا فرضه سؤال العلماء الثقات، وإما أن يكون طالب علم مؤهل للنظر في كلام العلماء فهذا يدرك الترجيح بمطالعة كتب العلماء التي تعتني بالترجيح وبيان الراجح من المرجوح ككتاب (المغني) لابن قدامة المقدسي رحمه الله، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ونحوها من الكتب.

وبهذا نختم الكلام في الترجيح ومعرفة الراجح وهى المسألة الثانية من مسائل (كيف يُحسن الطالب اختيار مصدر العلم؟) . وسنتكلم في الترجيح مرة أخرى إن شاء الله عند الكلام في أحكام المفتي في الباب الخامس.

3 -اتباع مذهب السلف في الاعتقاد والاشتغال بعلومهم:

أما مذهب السلف في الاعتقاد وهو اعتقاد أهل السنة والجماعة فهو واجب الاتباع وهو وحده الحق وماعداه ضلال مبين، وذكرنا حديث الفِرَق الدال على هذا من قبل، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهى الجماعة) الحديث.

وأما ترجيح الاشتغال بعلوم السلف في التفسير والحديث والفقه فيدل عليه:

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [1] . فدلَّ الحديث على أن الخير في المتقدمين أكثر، وأن الخير يقل بمضِيّ الزمان، ويمتاز علم السلف بالآتي:

أ - أن الصواب فيه أكثر مما عند المتأخرين، لاعتماد السلف على المنقول من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، بل لا صواب في كتب المتأخرين إلا المنقول عن السلف، وما خالف المنقول عنهم فهو من المحدثات المردودة وإن كثر القائلون بها. قال أبو حامد الغزالي [ومنها أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرنه إطباق الخلق على ماأُحدث بعد الصحابة رضي الله عنهم، وليكن حريصا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم - إلى أن قال - واعلم تحقيقًا أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أخذ الدين. ولذلك قال علي رضي الله عنه «خيرنا أتبعنا لهذا الدين» لََمَّا قيل له: خالفت فلانًا. فلا ينبغي أن يُكترث بمخالفة أهل العصر في موافقة أهل عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم] [2] .

وقال ابن تيمية [وعُلِمْ أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريقة السابقين والتابعين] [3] .

ب - أن كلام السلف قليل مختصر، بخلاف كلام المتأخرين، وهذه من النعم التي يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، وهى في السلف أكثر، وهى مما اختص به الله تعالى نبينا كما قال صلى الله عليه وسلم (بُعِثت بجوامع الكلم) [4] ، وقال البخاري [وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك] [5] . ومااختص الله به نبينا صلى الله عليه وسلم فللأمة منه نصيب، وهو في السلف أكثر.

والخلاصة: أن كلام السلف مختصر كثير الفائدة، وخير الكلام ما قلّ ودلّ، فالاشتغال به أحفظ للوقت لاختصاره، وأجمع للفهم لكثرة فوائده، ولهذا فإن الاشتغال بعلم السلف أولى بل هو واجب، قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما

(1) متفق عليه

(2) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 95

(3) (مجموع الفتاوي) ج 5 ص 12

(4) رواه البخاري

(5) انظر الأحاديث (7013 و 7273)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت