فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 1285

[اتقوا الله يامَعْشر القّراء، وخذوا طريق من كان قبلكم، فلعمري لئن اتبعتموه فلقد سبقتم سبقًا بعيدًا ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتهم ضلالا بعيدا] [1] . وكل الطوائف الضالة قديما وحديثا إنما تتمكن من تضليل أتباعها بقطعهم عن علم السلف والآثار، وبهذا فقط يتمكنون من تفسير النصوص بأهوائهم وتأويلاتهم الفاسدة لتأييد ضلالاتهم، وصدق الله تعالى القائل (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) البقرة: 26، والنجاة من هذا باتباع آثار السلف كما قال ابن مسعود رضي الله عنه [إنكم ستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتَّنطُّع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق] [2] .

ونُنَبِّه على أن من كان من المتأخرين عمدته على المنقول عن السلف فهو لاحق بهم في الفضل وفي تقديم الاشتغال بكتاباته كابن تيمية وابن القيم وأمثالهما رحمهم الله جميعا.

وفي بيان فضل علم السلف قال ابن تيمية رحمه الله[قال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة: 100، فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة - إلى أن قال - فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم، وهم خير الناس بعد الأنبياء، فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس، وأولئك خير أمة محمد، كما ثبت في الصحاح من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» .

ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرا ً وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله، كالتفسير وأصول الدين، وفروعه، والزهد، والعبادة، والأخلاق، والجهاد، وغير ذلك، فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة مايذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم.

وذلك أن إجماعهم لايكون إلا معصوما ً، وإذا تنازعوا فالحق لايخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه، قال تعالى: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) النساء: 59.

وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم، ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم، بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به، لايعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك، من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف. - إلى قوله - لأن كثيرا ً من أصول المتأخرين محدث مبتدع في الإسلام مسبوق بإجماع السلف على خلافه، والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعًا] [3] .

وقد كتب الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله رسالة في (بيان فضل علم السلف على علم الخلف) وهى مطبوعة.

4 -معرفة منزلة أقوال العلماء:

هذه مسألة متعلقة بما ذكرناه آنفا من طلب الدليل، وقد تبيّن لك مما سبق أن أقوال العلماء ليست بحجةٍ في دين الله

(1) رواه ابن عبدالبر (جامع بيان العلم) ج 2 ص 97، ورواه البخاري بلفظ قريب (حديث 7282)

(2) رواه اللالكائي (شرح اعتقاد أهل السنة) ج 1 ص 87، والعتيق أي القديم

(3) (مجموع الفتاوي) ج 13 ص 23 - 26

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت