تعالى ومن هنا عَرَّف العلماء التقليد بأنه (اتباع قول الغير بغير حجة) ، والتقليد هو اتباع العامي لقول العالم، وإنما يجب طلب الدليل على صحة أقوالهم لتبيّن الصواب من الخطأ فيها. ولهذا يَحْسُن أن تحفظ هذه العبارة: (أقوال العلماء يُحَتَجُّ لها لا يُحْتَجُّ بها) .
قال ابن تيمية [وقد يُراد بالشرع قول أئمة الفقه: كأبي حنيفة والثوري ومالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم، فهؤلاء أقوالهم يُحتج لها بالكتاب والسنة.] [1] . وقال ابن القيم [وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به، فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه.] [2] . يتبين من هذا أنه لاحجة في أقوال العلماء ذاتها، وإنما الحجة في الكتاب والسنة وماينبني عليهما من إجماع معتبر أو قياس صحيح، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) النساء: 59، وقد دلت هذه الآية على هذه الحجج الأربع، الكتاب (أَطِيعُوا اللّهَ) ، والسنة (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ، والإجماع (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) وهم العلماء في قول ٍ، والقياس (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) فردّ المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة هو القياس وهو رد مالم يرد فيه نص إلى ماورد فيه نص للعلة المشتركة بينهما. وهذه الأدلة الأربعة هى في قوة حجيتها حسب ترتيبها في هذه الآية التي دلت أيضا على أن الكتاب والسنة دليلان أصليان في حين أن الإجماع والقياس دليلان تابعان للأدلة الأصلية.
ويستفاد من معرفة منزلة أقوال العلماء وأنها ليست بحجة فائدتان:
الأولى: ألا تقبل أقوال العلماء بغير دليل ولو بلغ أحدهم مرتبة الاجتهاد المطلق، إذ يجوز عليه الخطأ مع هذا، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) [3] ، ومع كونه مأجورًا فقوله الخطأ مردود، لقوله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ) [4] . ولتعلم أن كثيرًا من البدع والانحرافات عن الدين إنما سببها تقديم أقوال العلماء على النصوص، تجد فريقًا من الناس على ضلالة ويقولون قال بها فلان أو عمل بها فلان، والكتاب والسنة حجة على الأولين والآخرين. وهذا الكلام إنما هو في حق طالب العلم أو العامي الذي يفهم الدليل، أما من نزل عن هذه المرتبة من العوام فواجبه تقليد العالم، وتفصيل هذا في الباب الخامس إن شاء الله.
الثانية: إذا أردت الاحتجاج لمسألة - سواء في التعليم أو في المناظرة - فلا تحتج بقول فلان من العلماء وإن علا قدره - فهذا محض التقليد - وليس بحجة كما علمت، وإنما الحجة في الدليل.
فإن قيل: إذا كانت أقوال العلماء ليست حجة، فما فائدتها؟ فنقول فائدتها:
أولا: أقوال العلماء ترشد إلى مواضع الأدلة، التي تخفى على الطالب المبتدئ.
ثانيا: أقوال العلماء مُعينة على فهم الأدلة، بتفسير غريبها، والتنبيه على ناسخها من منسوخها، وعامها وخاصها، ومطلقها ومقيدها، وماينبغي جمعه من الأدلة وماينبغي ترجيحه. وهذا كله يخفى على الطالب والمبتديء.
ثالثا: أقوال العلماء إذا تعاضدت فهى مُشعرة بالقوة، وإذا اجتمعت - صارت إجماعا - فتكون حجة ً.
تنبيه: ما ذكرناه هنا من عدم حجِّية أقوال العلماء يُستثنى منه أقوال الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة رضي الله عنهم، فأقوالهم إذا
(1) (مجموع الفتاوي) 11/ 264 - 265
(2) (اعلام الموقعين) 4/ 260
(3) متفق عليه
(4) رواه مسلم