أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) الفرقان: 27 - 29.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما مَثَل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المِسْك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيَك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا مُنْتنة) [1] .
فالآية والحديث يَدُلاَّن على نفع الصحبة الصالحة وضرر الصحبة السيئة وخطرها، للتنبيه على حُسن اختيار الصحبة، فكيف بالمعلِّم المرشد والكتاب؟.
وبعد: فقد دلت الآيات والأحاديث السابقة على وجوب تحرى الحق وطلبه، وعلى وجوب الاحتراز من الباطل، وذلك لأن هذه الأمة افترقت إلى فرق كل منها يدعى أنه على الحق، كما فشت البدع والأهواء والضلالات مُزَيَّنةً بزُخْرف من القول لتروج بين المسلمين، وطالب العلم سيلقى كل هذا أمامه في صورة فرق إسلامية ومذاهب فقهية ومعاهد علمية وجماعات إسلامية وعلماء وكتب، منها ما هو حق ومنها ماهو باطل ومنها ما اختلط فيه الحق بالباطل. ثم إن الطالب مُطالب بتحرى الحق وطلبه ومطالب بتبيُّن الباطل والاحتراز منه. وإنما يعرضُ للطالب الحقُ والباطلُ فتنةً له وابتلاء وامتحانًا، قال تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت: 2 - 3.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن الميزان الذى توزن به المذاهب والأقوال هو كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ما أجمع عليه سلف الأمة. قال تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) الشورى: 10، وقال تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) النساء: 59، وقال تعالى (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) الأنعام: 114.
وبناء علي ماسبق يكون المراد بإحسان اختيار مصدر العلم هو أن يلتزم الطالب في تعلمه بما يلي:
1 -طلب الدليل الشرعى على صحة مايتلقَّاه من الأحكام والأقوال والآراء، فما أيده الدليل فهو الحق وما لا دليل عليه فباطل مردود. والدليل هو قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه المسلمون أو قياس صحيح على ذلك. وأن يفهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما فهِمهُما السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم.
2 -معرفة الراجح من المرجوح من الأحكام والأقوال، فقد تدل الأدلة على صحة حكمين رغم تعارضهما، فلابد من معرفة الراجح منهما للأخذ به.
3 -اتباع مذهب السلف (أهل السنة والجماعة) في الاعتقاد والمنهج، لأنه المذهب الذي دلّت الأدلة على صحته ورجحانه، مع الاشتغال بعلوم السلف في التفسير والحديث والفقه.
فإذا التزم الطالب بهذه المباديء الثلاثة استطاع أن يميِّز بين العالم الصالح وعالم السوء، وبين الكتاب الجيد والكتاب السييء، فيكون قد وضع قدمه على الطريق الصحيح للتعلم، قال تعالى (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الأنعام: 153.
ونشرح هذه المباديء الثلاثة في المسألة التالية بشيء من التفصيل.
(1) متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ومعنى يحذيك أى يعطيك هبةً