فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 1285

والسعيد من تجتمع الإرادتان في حقه فيسعى في طلب العلم ويجدّ في تحصيله ويفتح الله عليه بفهم مايحصله ويبارك له في علمه فينتفع به وينفع الناس به. ولهذا قال أبو الدرداء رضي الله عنه [يرزُقُ اللهُ العلمَ السعداء، ويحرمه الأشقياء] [1] .

وكلامنا هنا عن السبب الكسبي للتفقه في الدين من وجهين، الوجه الأول: وهو بيان ترتب السبب الوهبي على السبب الكسبي، والوجه الثاني: وهو بيان مفردات السبب الكسبي.

أما الوجه الأول: وهو بيان ترتب السبب الوهبي على السبب الكسبي

فالمراد به بيان أن من سعى في طلب العلم وجَدَّ في تحصيله، وكانت له نيّة صالحة في ذلك - وهذا هو السبب الكسبي - فإنه يُرجى أن يوفقه الله تعالى في سعيه فيشرح صدره للفهم وينفعه بعلمه - وهذا هو السبب الوهبي -. وقد دل على هذا عدد من النصوص:

1 -منها قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت: 69. في هذه الآية رتّب الله تعالى هداية السبيل - وهو السبب الوهبي - على سبب كسبي مركب من أمرين: أحدهما: المجاهدة وهى السعي والاجتهاد في طلب العلم وغيره من الطاعات، والثاني: النية الصالحة بأن تكون هذه المجاهدة ابتغاء وجه الله لاشريك له، ولهذا قال تعالى چ? ? چ ولم يقل چ? چ فقط، فوصف سبحانه المجاهدة التي تترتب عليها الهداية بأنها المجاهدة الخالصة لوجهه تعالى. ثم أكّد سبحانه ترتب هدايته على هذا بمعيته الخاصة المذكورة في قوله تعالى (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) ، وفيها أكد الله تعالى معيته الخاصة لأهل الإحسان بالتوفيق والتأييد بأداتين من أدوات التوكيد وهما: إنّ واللام.

2 -ومنها قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) النساء: 66 - 68، فدلت هذه الآيات على أن امتثال الأمر الشرعي (فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) سببٌُ للتثبيت والهداية والتوفيق (وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ... وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) ، مع مايُدّخر لصاحبه من ثواب الآخرة (لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) ، ففي هذه الآيات رتّب اللهُ عطاءَه القدري على سعي العباد.

3 -ومنها قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد: 11، وتبين الآية أن الله تعالى يغيِّر حال العبد بعد أن يشرع العبد في تغيير حاله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فإذا سعى العبد في الخير - ومنه طلب العلم بنية صالحة - سَهّل الله له سبيل الخير كما قال تعالى (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) مريم: 76، وقال صلى الله عليه وسلم (ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سَهَّل الله له به طريقا إلى الجنة) [2] . وإذا سعى العبد في الشر وأصر عليه أضله الله كما قال تعالى (وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ) إبراهيم: 27، وقال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) الصف: 5، وقال تعالى (قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) مريم: 7، ونحوها من الآيات التي تبين ترتب القدر على الكسب، وكل من الكَسْب والوَهْب بقدر الله، قال تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر: 49.

وأما الوجه الثاني: وهو بيان مفردات السبب الكسبي

فهو موضوع هذا الباب، فقد ذكرنا في الأبواب السابقة فضل العلم وأهله، ثم حكم طلب العلم، ثم كيفية طلب العلم.

(1) (جامع بيان العلم، 1/ 57)

(2) رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت