فهرس الكتاب

الصفحة 1086 من 1285

زيادة في الكفر، والزيادة في الكفر كفر، وبهذا يكون من شرع مايخالف شرع الله كافرًا. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية [هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرّفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ماأحَلّ الله - إلى قوله - فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرّم فأخّروه إلى صفر، فيُحلون الشهر الحرام ويحرّمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة ما حرّم الله الأشهر الأربعة] [1] . وقال الاستاذ أبو منصور البغدادي في كتابه (الفَرْق بين الفِرَق) في وصفه للفِرَق الخارجة عن الملة الإسلامية، قال [أو أباح مانصّ القرآن على تحريمه، أو حَرّم ماأباحه القرآن نصًا لايحتمل التأويل، فليس هو من أمة الإسلام ولا كرامة] [2] . وقد تبين لك في المسألة الرابعة وفي المقدمة السابعة عشرة بالمسألة الخامسة مااشتملت عليه القوانين الوضعية من إباحة المحرمات القطعية كالربا والزنا بالتراضي والخمر والميسر في أماكن معينة مرخّص فيها بذلك، هذا فضلا عن إباحة الردّة والكفر بالله بعدم تجريم الردة وعدم معاقبة المرتد. فمن وضع ذلك أو أجاز العمل به فليس من أمة الإسلام ولا كرامة، فكيف بمن يوجبون الحكم بهذه القوانين؟.

6 -وقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة: 31.

قال ابن كثير رحمه الله [وقوله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) ، روي الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عَدِيّ بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام فَرَّ إلى الشام، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، فأُسِرَت أختُه وجماعة من قومه، ثم مَنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام على أخته وأعطاها فرجعت إلى أخيها فَرَغَّبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتقدّم عدي إلى المدينة وكان رئيسًا في قومه طِئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله عليه الصلاة والسلام وفي عُنُق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال عليه الصلاة والسلام «بلى، إنهم حرّموا عليهم الحلال وأحَلّوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» - الحديث، إلى أن قال ابن كثير - وهكذا قال حذيفة ابن اليمان وعبدالله بن عباس وغيرهما في تفسير (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرّموا، وقال السُّدّي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) أي الذي إذا حَرّم الشئ فهو الحرام وما حَلّله فهو الحلال وماشرعه اتُّبع وما حَكَم به نفذ، (لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تعالى وتقدّس وتنّزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه] [3] . وموضع الدلالة من هذه الآية والحديث الوارد في تفسيرها في المناط الذي نتحدث عنه وهو (التشريع من دون الله) : أن مَنْ فعل هذا فأحلّ الحرام وحَرَّم الحلال وشرع ما لم يأذن به الله فقد جعل نفسه رَبًّا للناس من دون الله وكفى به كفرًا مبينًا. وفي معنى هذه الآية أيضا:

7 -قوله تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا

(1) (تفسير ابن كثير) 2/ 356

(2) (الفرق بين الفرق) ص 14، ط مؤسسة الحلبي

(3) (تفسير ابن كثير) 2/ 348 - 349. وحديث عدي بن حاتم حسّنه الترمذي، وحسّنه أيضا ابن تيمية (مجموع الفتاوى) 7/ 67

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت