عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه؟ قالت: فلانة تَذْكُرُ من صلاتها، قال: (مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يَمَلُّ اللهُ حتى تَمَلّوا) ، وكان أحبُّ الدين إليه ماداوم صاحبه عليه [1] .
روى أبو عمر بن عبد البر في باب (كيفية الرتبة في أخذ العلم) عن يونس بن يزيد قال [قال لي ابن شهاب (يا يونس لا تكابر العلم، فإن العلم أودية فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي] [2] .
هذا من ناحية التدرج في التعلم من جهة الكمّ
2 -التدرج في الكيف. وهو قسمان:
أحدهما: التدرج في ترتيب العلوم: فلا ينتفع المرء بالتبحر في دراسة أصول الفقه مثلًا قبل أن يدرس الفقه، فيجب عليه مراعاة الترتيب في دراسة العلوم المختلفة. والصواب في هذا أن يدرس مقدمة مختصرة في الأصول ثم يدرس الفقه ثم يتوسع في دراسة الأصول لتحصيل أدوات الاستنباط. وهكذا في غيره من العلوم.
والثاني: التدرج في دراسة كل علم على حدة: فيدرس في كل علم مختصرًا يشتمل على أهم مسائله المتفق عليها بين العلماء، ثم يرتقى بعد ذلك إلى دراسة تفاريع المسائل والمختلف فيه والترجيح.
والتطبيقات العملية على هذا الكلام سنذكرها فيما نوصى به من كتب للدراسة في الباب السابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وقد أوصى بهذا التدرج في الكيف كلٌُ من أبي حامد الغزالي [3] ، وابن خلدون [4] .
ثانيا - الحرص على طلب الحق.
وهذا أمر يشبه إحسان اختيار مصدر العلم ولكنه غيره، فقد يُحسن العبد اختيار الشيخ أو الكتاب، ولكن وَلِهَوىً في نفسه يحمل مايتلقَّاه من العلم علي غير وجهه فلا يدرك الحق المراد منه، ومثال هذا ماوقع للخوارج فقد صاحبوا خير شيوخ أهل زمانه عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقرأوا خير الكتب كتاب الله تعالى قراءة يحقر الصحابة رضى الله عنهم قراءتهم معها، لكنهم ضلوا ضلالا مبينا لأن قراءتهم لم تجاوز حناجرهم إلي الفهم والفقه، فَصَدَقَ فيهم قول الله تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) الإسراء: 82.
وما وقع للخوارج وقع لغيرهم من الفرق الضالة المبتدعة تأولوا القرآن على خلاف الحق وعلى خلاف مافهمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان منه ليستدلوا به على باطلهم، ويروي عن ابن مسعود رضى الله عنه قوله [أنتم اليوم في زمانٍ الهوي فيه تابع للعلم وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى] [5] .
ولهذا ينبغى لطالب العلم أن يعتني بطلب الحق، ومما يعينه في هذا:
1 -ألا يعتقد قبل أن يَسْتَدلّ، فإن المبتدعة اعتقدوا آراء فاسدة ثم بحثوا عن بعض الأدلة لتأييد معتقدهم، فوافقتهم بعض الأدلة واستعصت عليهم أخري فردّوها أو تأوّلوها على غير وجهها، فحملوا العلم علي أهوائهم.
2 -أن تبحث عن الدليل على صحة ماتتلقاه من العلم، فتقبل من الأقوال ماشهدت الأدلة بصحته وترد منها مالا
(1) متفق عليه
(2) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 104
(3) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 65 - 66
(4) (المقدمة) ص 533 - 536
(5) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 96