فابن القيم، وذكر أنه اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ابن القيم] ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ماأمكنه من ذلك، ولا يُلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عَطَنِه وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمل فتاوي النبي صلى الله عليه وسلم الذي قولُه حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته، وهذا كما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال «أيَنْقُصُ الرطب إذا جف؟» قالوا: نعم، فزجَرَ عنه، ومن المعلوم أنه كان يعلم نُقصانه بالجفاف، ولكن نَبَّههم على علة التحريم وسببه. ومن هذا قوُله لعمر وقد سأله عن قُبلة امرأته وهو صائم، فقال: «أرأيت لو تمضمضت ثم مَجَجْته، أكان يضر شيئا؟» قال: لا، فنبه على أن مقدمة المحظور لايلزم أن تكون محظورة، فإن غاية القُبْلة أنها مُقدمة الجماع، فلا يلزم من تحريمه تحريمُ مقدمته، كما أن وضع الماء في الفم مقدمة شربه، وليست المقدمة محرمة. ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» ، فذكر لهم الحكم، ونبههم على علة التحريم - إلى أن قال - وهذا هو الصواب الذي ندين الله به في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجة بنفسه يرشد الأمة إلى علل الأحكام ومداركها وحِكَمها، فورثته من بعده كذلك - إلى قوله - فينبغي للمفتي أن ينبه السائل على علة الحكم ومأخذه إن عرف ذلك، والإ حَرُمَ عليه أن يفتي بلا علم [[1] .
(فائدة) هذه المسألة وهي ذكر دليل الفتوى من عدمه، مبنية على موضوع (الاتباع والتقليد) والذي سنذكره في المسألة الثالثة عشرة من (أحكام المستفتي) في الفصل التالي إن شاء الله، والاتباع هو معرفة الحكم بدليله، والتقليد هو معرفة الحكم بغير دليل، وحاصل المسألة أن الاتباع واجب على المستفتي وأن التقليد إنما يجوز للضرورة، وهذا هو التحقيق في المسألة كما سيأتي تفصيله إن شاء الله، فإذا كان الاتباع واجبا على المستفتي فإن ذكر دليل الفتوى يكون واجبا على المفتي، إذ مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هذا وبالله تعالى التوفيق.
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 161 - 163