ويعرف هذا بالترجيح بالدليل العام، وهو الأخذ بقول أوثق المفتين وأفضلهما. فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، فعلى قولين.
7 -القول السابع: يرجح المستفتي بين القولين ويأخذ بأرجحهما.
والمقصود بالأرجح مادل على صحته الدليل الشرعي، فيعمل به، لقوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59.أي ردّوه إلى الكتاب والسنة بالإجماع. فيعمل بما دل عليه الدليل وإن كان قائله مرجوحًا في العلم والفضل، وهذا اختيار ابن حزم وابن تيمية وابن القيم والشاطبي وغيرهم.
ويعرف هذا بالترجيح بالدليل الخاص، في مقابل القول السادس الذي فيه الترجيح بالدليل العام. والدليل الخاص هو الحجة الشرعية، أما الدليل العام فهو صفة المفتي من العلم والورع.
قال ابن تيمية رحمه الله] والدليل الخاص الذي يُرجح به قول على قول أولى بالاتباع من دليل عام على أن أحدهما أعلم وأَدْيَن. وعلم الناس بترجيح قول على قول أيسر من علم أحدهم بأن أحدهما أعلم وأدْين، لأن الحق واحد ولابد [[1] . وقال ابن عبدالبر رحمه الله]على أن القول لايصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار، عن ابن القاسم عن مالك، قال: ليس كل ماقال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله عزوجل (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) الزمر: 18 [[2] .
ومن هذا ترى أن الترجيح بالدليل الخاص مقدم علي الترجيح بالدليل العام، ويكفي في هذا قوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59. ومن رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة، مارواه البخاري عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما قالا: جاء أعرابي فقال يارسول الله: اقض بيننا بكتاب الله، فقام خصمه فقال: صدق فاقض بيننا بكتاب الله. فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، فقالوا لي: على ابنك الرجم، ففديت ابني منه بمائةٍ من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك جلدُ مائة ٍ وتغريبُ عام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لأقضينّ بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم فَرَدُ ُ عليك، وعلى ابنك جلدُ مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أُنيس - لرجل - فاغْدُ على امرأة هذا فارجمها) فغدا عليها أنيس فرجمها [3] . وفي رواية (فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها) . فهذا الأعرابي اختلفت عنده الأقوال في مسألته فردّها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا يجب رد المتنازع فيه إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
8 -القول الثامن: يتخيّر المستفتي فيأخذ بقول أيهما شاء.
وهذا قول أكثر الشافعية، فقال الخطيب البغدادي] وقيل يأخذ بقول مَن شاء مِن المفتين، وهو القول الصحيح، لأنه ليس من أهل الاجتهاد، وإنما عليه أن يرجع إلى قول عالم ثقة، وقد فعل ذلك فوجب أن يكفيه [[4] .وقال النووي]يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء، وهذا هو الأصح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي المصنف، وعند الخطيب البغدادي، ونقله المحاملي في أول المجموع عن أكثر أصحابنا، واختاره صاحب الشامل فيما إذا تساوى المفتيان في نفسه [[5] . وقال
(1) (الاختيارات الفقهية) لابن تيمية، جمع البعلي، ط دار المعرفة، ص 333
(2) (جامع بيان العلم) 2/ 118
(3) حديث (7193 و 7194)
(4) (الفقيه والمتفقه) 2/ 204
(5) (المجموع) 1/ 56