الشوكاني إن القول بالتخيير هو قول أكثر أصحاب الشافعي، قال الشوكاني] واستدلوا باجماع الصحابة على عدم انكار العمل بقول المفضول مع وجود الأفضل [[1] .
وهذا القول بالتخيير انتقده العلماء الذين قالوا بوجوب الترجيح على المستفتي إذا اختلفت عليه فتاوى المفتين. وإليك بعض أقوالهم في نقده.
قال ابن حزم رحمه الله]أما من قال: هو مخير، فقد أمره باتباع الهوى، وذلك حرام، وأخطأ بلاشك، وجعل الدين مردودًا إلى اختيار الناس يعمل بما شاء، وأجاز فيه الاختلاف، والله تعالى يقول: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) النساء: 82، وقال تعالى (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا) الأنفال: 46، وقال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) القصص: 50، فالاختلاف ليس من أمر الله تعالى الذي أباحه وأمر به. وقد علمنا أن حكم الله تعالى في الدين حكم واحد، وإن سائر ذلك خطأ وباطل، فقد خيره هذا القائل في أخذ الحق أو تركه، وأباح له خلاف حكم الله تعالى، وهذا الباطل المتيقن بلاشك. فسقط هذا القول بالبرهان الضروري.
وأما من قال: يأخذ بالاثقل، فلا دليل على صحة قوله أيضا، كذلك قول من قال: يأخذ بالاخف، وكل قول بلا دليل فهي دعوى ساقطة، فإن احتج بقول الله عزوجل: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) البقرة: 185، فقد علمنا أن كل ما ألزم الله تعالى فهو يسر، وبقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج: 78.
قال ابن حزم: والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: إنه إن أفتاه فقيهان فصاعدًا بأمور مختلفة نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو غير فاسق بتركه قبول شئ منها، لأنه إنما يلزمه ماألزمه النص في تلك المسألة، وهو لم يدره بعد، فهو غير آثم بتركه ماوجب مما لم يعلمه حتى يعلمه، لكنه يتركهم ويسأل غيرهم، ويطلب الحق [[2] .
وقال الشاطبي رحمه الله]إنه ليس للمقلد أن يتخير في الخلاف، كما إذا اختلف المجتهدون على قولين فوردت كذلك على المقلد. فقد يعد بعض الناس القولين بالنسبة إليه مخيرًا فيهما كما يخير في خصال الكفارة، فيتبع هواه ومايوافق غرضه دون مايخالفه، وربما استظهر على ذلك بكلام بعض المفتين المتأخرين، وقوّاه بما روي من قوله عليه الصلاة والسلام: «أصحابي كالنجوم» وقد مر الجواب عنه وإن صح فهو معمول به فيما إذا ذهب المقلد عفوا فاستفتي صحابيًا أو غيره فقلده فيما أفتاه به فيما له أو عليه. وأما إذا تعارض عنده قولا مفتيين فالحق أن يقال: ليس بداخل تحت ظاهر الحديث، لأن كل واحد منهما متبع لدليل عنده يقتضي ضد مايقتضيه دليل صاحبه، فهما صاحبا دليلين متضادين، فاتباع أحدهما بالهوى اتباع للهوى، وقد مر مافيه، فليس إلا الترجيح بالأعلمية وغيرها. وأيضا فالمجتهدان بالنسبة إلى العامي كالدليلين بالنسبة إلى المجتهد، فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف كذلك المقلد. ولو جاز تحكيم التشهي والأغراض في مثل هذا لجاز للحاكم وهو باطل بالإجماع، وأيضا فإن في مسائل الخلاف ضابطًا قرآنيا ينفي اتباع الهوى جملة، وهو قوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59 وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان فوجب ردها إلى الله والرسول، وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة. فاختيار أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضادٌُ للرجوع إلى الله والرسول. وهذه الآية نزلت على سبب فيمن اتبع هواه بالرجوع إلى حكم الطاغوت، ولذلك أعقبها بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) النساء: 60! وهذا
(1) (إرشاد الفحول) ص 252
(2) (الإحكام) 6/ 160