يظهر أن مثل هذه القضية لا تدخل تحت قوله: «أصحابي كالنجوم» وأيضا فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لايحل. وأيضا فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها، لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ماإذا تقيد بالترجيح فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعًا للهوى ولامسقطا للتكليف [[1] .
وقال الشاطبي أيضا]فإذا عرض العامي نازلته على المفتي فهو قائل له «أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق» فلا يمكن - والحال هذه - أن يقول له: «في مسألتك قولان، فاختر لشهوتك أيهما شئت؟» فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع، ولا ينجيه من هذا أن يقول مافعلت إلا بقول عالم، لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليط المفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رميُُ ُ في عماية وجهل بالشريعة، وغش في النصيحة وهذا المعنى جارٍ في الحاكم وغيره والتوفيق بيد الله تعالى [[2] .
هذا ما قاله ابن حزم والشاطبي في نقد القول بالتخيير، والحق أن القول بالتخيير له موضع سنذكره فيما يلي إن شاء الله.
خلاصة القول في هذه المسألة:
ما يفعل المستفتي إذا اختلف عليه مفتيان فأكثر؟
عليه أن يخبر المفتيين أنهما اختلفت أقوالهما في المسألة:
1 -فإن خيّراه في العمل بأي القولين إذا كانا من باب اختلاف التنوع، فهو في سعة من العمل بأي القولين، وهذا هو الموضع الذي يختار فيه المستفتي ولكن بعد أن يخبره المفتيان أنه مخير. كما في خصال كفارة اليمين فإنها على التخيير، وكما في عدد ركعات السنن الراتبة، وكما في أنواع الإحرام (الإفراد - القران - التمتع) .
2 -وإن أمراه بالأخذ بالاحتياط أو الميل إلى جانب معين فَعَل [3] .
3 -وإن أصرّا علي الخلاف، وكان خلافهما اختلاف تضاد، فعليه أن يسألهما عن حجة كل منهما:
أ - فإن أخبراه بحجتيهما واتسع عقله لفهمهما، فعليه الأخذ بالقول الذي حجته أرجح، وهذا هو الترجيح بالدليل الخاص.
ب - وإن أخبراه بحجتيهما ولم يتسع عقله لفهمهما، أخذ بقول أوثق المفتيين عنده، وهذا هو الترجيح بالدليل العام، قال ابن تيمية] وأما من كان عاجزًا عن معرفة حكم الله ورسوله، وقد اتبع فيها مَن هو مِن أهل العلم والدين، ولم يتبين له أن قول غيره أرجح من قوله، فهو محمود يُثاب لايُذم على ذلك ولايُعاقب [[4] .
ج - فإن لم يفهم الحجتين، وتساوي المفتيان عنده في الفضل، فإن أمكنه الجمع بين القولين كما ذكره الخطيب البغدادي فعل. وإلا سأل غيرهما فإن لم يتمكن فعل ماتسكن له نفسه ويطمئن له قلبه، و (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) .
(1) (الموافقات) 4/ 132 - 134
(2) (الموافقات) 4/ 143 - 144
(3) (المستصفى) للغزالي، 2/ 391
(4) (مجموع الفتاوى) 20/ 225