-قال: والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر - ولاشعانين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير ولاببيع الخمور، ولا نظهر شركًا، ولا نرغّب في ديننا، ولاندعو إليه أحدًا، ولانتخذ شيئًا من الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين، وألا نمنع أحدًا من أقربائنا أرادوا الدخول في الإسلام، وأن نلزم زيّنا حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فَرْق شعر ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولانكتنى بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا ولانفرِق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولانركب السروج، ولانتخذ شيئًا من السلاح ولانحمله، ولانتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشدهم الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس، ولانطلع عليهم في منازلهم، ولانعلم أولادنا القرآن، ولايشارك أحد منا مسلمًا في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط مانجد. ضَمنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإنْ نحن غيَّرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، وقَبِلْنا الأمان عليه، فلا ذمة لنا، وقد حل لك منّا مايحل لأهل المعاندة والشقاق».
فكتب بذلك عبدالرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إليه عمر «أن أمضِ لهم ماسألوا، وألحق فيهم حرفين أشترطهما عليهم مع ماشرطوا على أنفسهم: ألا يشتروا من سبايانا، ومن ضرب مسلمًا فقد خلع عهده» .
فأنفذ عبدالرحمن بن غنم ذلك، وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط.
قال ابن القيم [وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها] [1] .
وقد اشتملت الشروط العمرية على عدة مسائل
-منها ما يتعلق بأحكام البِيَع والكنائس والصوامع وما يتعلق بها.
-ومنها ما يتعلق بإخفاء شعار دينهم.
-ومنها ما يتعلق بإخفاء منكرات دينهم.
-ومنها ما يتعلق بتميزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمركب.
-ومنها ما يتعلق بالتزامهم ترك كل مايضر الإسلام والمسلمين.
-ومنها ما يتعلق بأحكام ضيافتهم للمارة.
-ومنها ما يتعلق بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله تعالى [2] .
وهناك أمران أساسيان لاتنعقد الذمة بدونهما لم يذكرا في الشروط العمرية، وهما أداء الجزية وجريان أحكام الإسلام عليهم. قال ابن قدامة الحنبلي رحمه الله [ولايجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين: أحدهما: أن يلتزموا إعطاء الجزية في كل حول، والثاني: التزام أحكام الإسلام وهو قبول مايُحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم، لقول الله تعالى (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التوبة: 29] [3] . والصغار هو التزامهم لجريان أحكام الشريعة الإسلامية عليهم [4] .
(1) (أحكام أهل الذمة) لابن القيم ج 2 ص 657 - 664، ط دار العلم للملايين 1983م
(2) نقلت هذا بتصرف من (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، 2/ 665 - 666، ومن (اقتضاء الصراط المستقيم) لابن تيمية، ط المدني، ص 121 - 123
(3) (المغني والشرح الكبير) 10/ 572
(4) ذكره ابن القيم وغيره (أحكام أهل الذمة) 1/ 24 - - وقد ذكر ابن تيمية الشروط العمرية بإسناد صحيح، انظر (الصارم المسلول) ص 208، و (اقتضاء الصراط المستقيم) ص 120