فهرس الكتاب

الصفحة 1214 من 1285

وقال ابن تيمية [وهذه الشروط أشهر شيء في كتب العلم والفقه، وهي مجمع عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين وأصحابهم وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة منها] [1] . وقال ابن تيمية أيضا [وهذه الشروط مازال يجددها عليهم من وفقه الله تعالى من ولاة أمور المسلمين] [2] .

وقد ظل العمل جاريا في بلاد المسلمين وفق هذه الشروط عبر القرون، وأورد المؤرخون في كتبهم تجديد السلاطين المسلمين لهذه الشروط العمرية على أهل الذمة، وانظر على سبيل المثال وثيقة تجديد السلطان الناصر محمد بن قلاوون للعهد العمري على أهل الذمة عام 700 هـ [3] .

ثالثا: التغيير الذي طرأ على أحكام أهل الذمة في الدول العلمانية:

واستمر العمل على ذلك حتى أواخر القرن الثاني عشر الهجري - منتصف القرن التاسع عشر الميلادي - حين تدهورت أحوال الدولة العثمانية وولاياتها المختلفة واتجهت نحو العلمانية بصورها المختلفة من تحكيم القوانين الوضعية بدلا من أحكام الشريعة، واقتباس النظام الديمقراطي الغربي الذي يمنح السيادة للشعب كسلطة عليا بدلا من سيادة حكم الله تعالى في الإسلام، وكان من آثار العلمنة بناء الدولة على أساس المواطنة (والتي تعني التسوية بين جميع السكان في الحقوق والواجبات دون النظر إلى هويتهم الدينية) بدلا من اعتماد الهوية الدينية التي تقسم السكان إلى مسلمين وأهل ذمة. وكان هذا هو نهاية العمل بأحكام أهل الذمة وسقط هذا المصطلح من الدساتير العلمانية التي تبنت فكرة المواطنة في سائر بلدان المسلمين اليوم، حتى أصبح المسلم من غير أهلها يعامل كغريب ٍ وأجنبي عنها، في حين يُعامل الكافر من أهلها كمواطن له سائر الحقوق.

تقول إحدى الباحثات، د. سميرة بحر - في وصف تطور الأحوال في بلدٍ كمصر - [ومضت الحكومات الإسلامية المتعاقبة في معاملة لاتوصف في جملتها بأنها سيئة باستثناء أمرين: أولهما: دفع الجزية التي كانت مظهرا من مظاهر الدولة الثيوقراطية (ويلحق بذلك عدم السماح لهم بحمل السلاح، وعدم قبول شهادتهم ضد المسلمين في المحاكم .. الخ) . وثانيهما: هدم الكنائس التي كان العامة وطغام الناس يفعلون بها ذلك في ثوراتهم، ثم لايلبث النصارى أن يؤذن لهم في إعادة بنائها بأمر الحاكم المسلم. وجاء في العهد المنسوب إلى الخليفة عمر بن الخطاب «وليس لكم أن تظهروا الصليب في شيء من أمصار المسلمين ولاتبنوا كنيسة ولا موضع مجتمع لصلاتكم، لاتضربوا بناقوس» - إلى أن قالت: - استمر تقدم الأقباط في الحياة العامة الحديثة مع إخوانهم المسلمين خاصة وأن الوالي سعيد - حاكم مصر - أدخلهم في صلب الدولة، لأنه كان يريد على الأخص إخراج الأتراك من الوظائف المدنية والحربية، فبدأ يعتمد بدرجة أكبر على المصريين ويفسح لهم المجال واسعا في وظائف الدولة والجيش، واقتضى هذا النزوع المصري منه أن يزيل آخر عقبات الاندماج بين عناصر المصريين باصدار قرار قبول المسيحيين في الجيش وتطبيق الخدمة العسكرية عليهم. فنصّ الأمر العالي الصادر في جمادى الأولى 1272 هـ على أن «أبناء الأعيان القبط سوف يدعون إلى حمل السلاح أسوة بأبناء المسلمين وذلك مراعاة لمبدأ المساواة» . وكان قد أصدر أمره قبل ذلك بالغاء الجزية المفروضة على أهل الذمة في ديسمبر 1855 م - إلى أن قالت - وفي عهد الخديوي إسماعيل أيضا تم تعيين قضاة من الأقباط في المحاكم كما ألمحنا. وهو أمر لايقل أهمية عن التمثيل بالمجالس التشريعية، وتلازم هذا التطبيق مع إلغاء المجالس القضائية القديمة التي كانت تقتصر على القضاة من المسلمين وحدهم مع إحلال محاكم أهلية محلها. فلزم تعيين القضاة بصرف النظر عن الدين ليتكون قضاء يخضع له

(1) (اقتضاء الصراط المستقيم) ص 121

(2) (مجموع الفتاوى) 28/ 654

(3) أوردها القلقشندي في (صبح الأعشى) 13/ 378، 387

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت