المصريون بصرف النظر عن الدين أيضا، وكانت دلالة الأمرين السابقين معا (أي تقبل المدارس الأميرية للمصريين جميعا وتعيين قضاة من القبط في المحاكم) هو البدء في بناء مؤسسات الدولة على قاعدة المواطنة وعلى الأساس المدني العلماني] [1] . وقد أدرجت في السياق كلمة - حاكم مصر - وهذا الكلام يهمنا منه السرد التاريخي، وإلا فإن المؤلفة قالت كلامًا مكفرًا، وهو وصفها الجزية بأنها أمر سييء، وهي أمر الله تعالى في قوله (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التوبة: 29. وإن كنت لا أدري أمنتسبة للإسلام هي أم نصرانية؟. كذلك ماذكرته من إعادة بناء الكنائس هو أمر غير مشروع وتهاون من الحكام المسلمين [2] .
وبإسقاط الجزية عن أهل الكتاب وبمساواتهم بالمسلمين بما يعني مخالفة الشروط العمرية يكون عهدهم قد انتقض وعادوا كفارًا محاربين. قال الشوكاني رحمه الله [ثبوت الذمة لهم مشروط بتسليم الجزية والتزام ماألزمهم به المسلمون من الشروط، فإذا لم يحصل الوفاء بما شُرط عليهم عادوا إلى ماكانوا عليه من إباحة الدماء والأموال، وهذا معلوم ليس فيه خلاف، وفي آخر العهد العمري: فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم مايحل من أهل العناد والشقاق] [3] . وقد سبق كلام ابن قدامة في نفس المعنى.
وسواء كان انتقاض عهد الذمة من جهتهم أو من جهة الحاكم الكافر كما صنع الخديوي سعيد ومن تلاه في حكم مصر، فإن هذا لايؤثر في النتيجة، فالكافر لايعصم نفسه وماله من المسلمين إلا أمان معتبر من جهتهم، فإذا عدم الأمان سقطت عصمته. وهذا مثال لما وقع بشتى بلدان المسلمين.
وأتى البعض بشبهة فقالوا: وماذنبهم - أي أهل الكتاب - إذ كان انعدام عقد الذمة ليس من جهة امتناعهم عنه بل من جهة غياب الدولة الإسلامية، ولعلها لو وجدت لدخلوا في الذمة؟.
والجواب: أن هذه شبهة فاسدة لأنها من الاحتجاج الفاسد بالقدر، فقيام دولة الإسلام أو ذهابها شئ قدّره الله، فإن وجدت وجدت معها أحكام معينة هذا منها، وإن ذهبت زالت هذه الأحكام. وهذا يشبه قول من قال ماذنب هذا الكافر المقلد لأبويه الكافرين ولعله لو ولد لأبوين مسلمين لكان مسلمًا، هذا شئ قدّره الله، ولايحتج بقدر الله لإبطال شرع الله، كالذين ذمهم الله في قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ يس: 47، فاحتج هؤلاء بالقدر(وهو أن الله أراد جوع هذا الجائع ولو شاء لأطعمه) على إبطال الشرع (وهو أمرهم بالإنفاق والصدقة) ، فحكم الله تعالى بضلال من يحتج بمثل هذا فقال سبحانه (إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) . فكذلك أصحاب هذه الشبهة احتجوا بالقدر (وهو إرادة الله تعالى زوال دولة الإسلام) على إبطال الشرع (وهو أن الكافر غير المعاهد مهدر الدم والمال) فنجيبهم بقول الله تعالى (إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)
وأضيف فأقول إن إسقاط أحكام أهل الذمة في بلد كمصر قد قوبل بارتياح وترحيب كبيرين من النصارى، وتبع ذلك مقاومتهم لأي توجه إسلامي للحكومة العلمانية بمصر بداية من مهاجمتهم لفكرة الجامعة الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وانتهاء باعتراضهم على تطبيق أحكام الشريعة عليهم إذا كان في نية الحكومة المصرية العمل بها أو ببعضها، ومن هذا الباب تقدم الأزهر ووزارة العدل بمشروع قانون الحدود إلى مجلس الشعب لإقراره عام 1977م، وتجمد المشروع في خزانة مجلس الشعب، ولكن هذه الخطوة قوبلت برد فعل عاصف من
(1) من كتاب (الأقباط في الحياة السياسية المصرية) للدكتورة سميرة بحر، ط مكتبة الأنجلو المصرية، ط 2، 1984، ص 35 - 38
(2) وتفصيله بمجموع فتاوى ابن تيمية، ج 28 ص 632 ومابعدها
(3) (السيل الجرار) للشوكاني، 4/ 574