وقال ابن تيمية أيضا[والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لاصلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، فإن الإنسان مضطر إلى الشرع، فإنه بين حركتين: حركة يجلب بها ماينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره. والشرع هو النور الذي يبيِّن ما ينفعه ومايضره والشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنا.
وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس، فإن ذلك يحصل للحيوانات العُجْم، فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب، بل التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده، كنفع الإيمان والتوحيد، والعدل والبر والتصدق والإحسان، والأمانة والعفة، والشجاعة والحلم، والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام وبر الوالدين، والإحسان إلى المماليك والجار، وأداء الحقوق، وإخلاص العمل لله والتوكل عليه والاستعانة به والرضا بمواقع القدر به، والتسليم لحكمه والانقياد لأمره، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وخشيته في الغيب والشهادة، والتقوى إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه، واحتساب الثواب عنده، وتصديقه وتصديق رسله في كل ماأخبروا به، وطاعته في كل ماأمروا به، مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته، وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته.
ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منّة عليهم: أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم الصراط المستقيم. ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم بل أشر حالا منها، فمن قَبلَ رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوأ حالا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم] [1] .
إذا ثبت هذا، وثبتت حاجة الناس إلى الشرع ليتمكنوا من القيام بوظائف العبودية لله تعالى على الوجه الذي يرضيه، فإنه ليس للناس طريق إلى معرفة الشرع إلا بالتعلم، ومن هنا كان فرضًا على كل مسلم أن يتعلم من العلم مالا يتأدى الواجب الذي تعيّن عليه فعله إلا به.
فالسعيد من يسعى لتحصيل مايجب عليه من العلم ويعمل به ليلقى الله تعالى وهو راض عنه، فإن الدنيا إنما هي ممر وهي إلى زوال لا محالة، والآخرة هي المستقر، كما قال عز وجل - حكاية عن مؤمن آل فرعون - (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) غافر: 39. وقال تعالى (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت: 64، ومعنى الحيوان أي الحياة الكاملة، ويوم القيامة يقول الغافلون عن طاعة ربهم الذين فرحوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها - كما حكى الله تعالى - (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى، يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي، فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) الفجر: 23 - 26. وقوله (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) دليل على أن الدار الآخرة هي دار الحياة الكاملة للسعداء كما أنها دار العذاب المقيم للأشقياء، فهي دار الخلود.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ماالدنيا في الآخرة إلا مثلُ مايجعلُ أحدكُم أصبُعَه في اليَمِّ، فلينظر بما يرجع) [2] .
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثّر في جَنْبه، قلنا: يارسول الله لو اتخذنا لك وطاءً، فقال: (مالي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ٍ ثم راح وتركها) [3] ، والوِطاء هو الفراش الليِّن. فتلك هي حقيقة الدنيا وهذا هو قدرها.
(1) (مجموع الفتاوى، 19/ 99 - 100)
(2) رواه مسلم عن المستورد بن شداد رضي الله عنه
(3) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح