من العلوم هو من باب حسن استثمار الوقت.
7 -إحسان اختيار مصدر العلم، سواء كان هذا المصدر أستاذًا معلما أو كتابا يُدرس، فإذا وُفق الطالب لمعرفة أهم مايشتغل به من العلوم، فإنه يجب عليه أن يُحسن المصدرالذي سيتعلم منه هذه العلوم المهمة، حتى لايضيع وقته سُدى، ولأهمية هذا الأمر سنفرده بمبحث مستقل فيما يأتي إن شاء الله، فإنَّ حُسْنَ اختيار مصدر العلم من باب حُسْن استثمار الوقت.
هذه الأمور هى أهم مايعين طالب العلم على حفظ الوقت للتعلم، وسنتكلم بشئ من التفصيل في أمرين هنا، وهما تقليل العلائق وترجيح الاشتغال بالعلم على النوافل، أما الاشتغال بالأهم وحسن اختيار المصدر فسنذكرهما كآداب مستقلة بعد الحرص على الوقت.
أولا - تقليل العلائق الشاغلة:
العلائق الشاغلة: هى كل مايشغل العبد من أمور الدنيا، فتشغل وقته وقلبه وفكره، فكلما أمكن التَّخفف منها كان خيرا للعبد، إذ يعينه هذا على:
* فراغ وقته: وهذا ضروري لطلب العلم.
* وفراغ قلبه وفكره: وهذا ضروري لاستيعاب العلم وفهمه وحفظه.
* والاستهانة بأمر الدنيا كلما قلّت علائقه بها، فيعينه هذا على الجهر بالحق غير حريص على دنيا.
ومما يدل على أن تقليل العلائق الشاغلة معين على طلب العلم، مارواه البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: [إن الناس يقولون: أكثَرَ أبو هريرة، ولولا آيتان من كتاب الله ماحدّثت حديثا، ثم يتلو (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة: 159 - 160، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِشِبَع ِ بطنه، ويحضُر مالا يحضرون، ويحفظ مالا يحفظون] [1] . ومعنى (أكثر) أي من رواية الحديث، ومعنى (الصفق) أي ضرب اليد على اليد وجرت به عادتهم عند عقد البيع، ومعنى (العمل في أموالهم) أراد زراعتهم إذ كانت هى مهنة الأنصار وفي رواية مسلم (كان يشغلهم عمل أرضيهم) . وفي هذا الحديث ذكر أبو هريرة رضي الله عنه أن كثرة روايته للحديث ترجع لسببين:
أحدهما: خشية كتمان العلم، ومن هنا ذكر الآية، لئلا يَعُمَّه الوعيد الوارد في حق من كتم العلم.
والثاني: تفرُّغه لطلب العلم لعدم سعيه في الكسب والارتزاق، في حين كان المهاجرون والأنصار يشغلهم ذلك، فتمكن بتفرغه من ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم فحفظ من الأحاديث مالم يحفظه غيره. وقد شهد له الصحابة رضي الله عنهم بذلك، فقد قال ابن عمر لأبي هريرة رضي الله عنهم [كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفنا بحديثه] [2] . وهناك سبب آخر لكثرة حفظ أبي هريرة وهو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له [3] .
ولاخلاف في أن أبا هريرة أكثر الصحابة حديثا بإطلاق مع أنه لم يلازم النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث سنوات إذ قَدِمَ عام خيبر
(1) (حديث 118)
(2) رواه أحمد والترمذي وقال الترمذي حديث حسن
(3) (راجع حديث 119 بالبخاري)