(7 هـ) قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات، كما أنه لاشك في أن أبا بكر رضي الله عنه أعلم الصحابة وأعرفهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وأكثرهم ملازمة له. وإنما كثر تحديث أبي هريرة لأنه عاش طويلا (ت 59 هـ) فاحتاج الناس إلى الحديث، بخلاف أبي بكر رضي الله عنه (ت 13 هـ) وكان العهد قريبا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الحديث دلالة على أن التقلل من الدنيا والرضى باليسير منها - وهو ماسميناه تقليل العوائق - أمكن لحفظ العلم [1] .
وكان أبو هريرة رضي الله عنه من مساكين أهل الصفة كما أخبر عن نفسه [2] ، وكان يتحمل الجوع وخشونة العيش في طلب العلم، قال أبوهريرة رضي الله عنه [لقد رأيتُني وإني لأخِرُّ فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشيًا علَيَّ، فيجيء الجائي فيضع رِجْلَهُ على عُنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون ما بي إلا الجوع] [3] .
وإليك أقوال بعض العلماء في أهمية تقليل العلائق لطالب العلم:
1 -روى ابن عبدالبر عن مالك - رحمهما الله - قال [إن هذا الأمر لن يُنال حتى يُذاق فيه طعم الفقر وذكَرَ مانزل بربيعة من الفقر في طلب العلم، حتى باع خشب سقف بيته في طلب العلم وحتى كان يأكل ما يُلقى على مزابل المدينة من الزبيب وعصارة التمر] ، وقال ابن عبدالبر: قال سُحنون [لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع ولا لمن يهتم بغَسْل ثوبه] [4] .
2 -وقال الخطيب البغدادي رحمه الله [باب حذف المتفقِّه العلائق: كان بعض الفلاسفة لايعلم أحدًا يتعلق بشيء من الدنيا إلا ويقول: العلم أجَلُّ من أن يُشغل عنه بغيره ثم روى الخطيب بإسناده عن مُلَيح بن وكيع قال: سمعت رجلا يسأل أبا حنيفة بم يُستعان على الفقه حتى يُحفظ؟، قال: بجمع الهَمّ، قال: قلت وبم يُستعان على حذف العلائق؟، قال: تأخذ ُ الشيء عند الحاجة ولاتَزِدْ] [5] .
3 -وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله - في آداب طلب العلم - [أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا، ويبعد عن الأهل والوطن، فإن العلائق شاغلة وصارفة، (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ) الأحزاب: 4، ومهما توزّعت الفكرة قصرت عن دَرْك الحقائق، ولذلك قيل «العلم لا يعطيك بعضَهُ حتى تعطيَه كُلَّك، فإذا أعطيته كٌلّك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر» ، والفكرة المتوزّعة على أمور متفرقة كجدول تفرّق ماؤه فنشَّفت الأرض بعضه واختطف الهواء بعضه فلا يبقى منه مايجتمع ويبلغ المزدرع] [6] .
4 -وقال النووي رحمه الله - في آداب طلب العلم - [وينبغي أن يقطع العلائق الشاغلة عن كمال الاجتهاد في التحصيل ويرضى باليسير من القوت ويصبر على ضيق العيش: قال الشافعي رحمه الله تعالى: لايطلب أحدٌُ هذا العلم بالملك وعز النفس فيُفلح ولكن من طلبه بِذُل النفس وضيق العيش وخِدْمة العلماء أفلح، وقال أيضا: لايدرك العلم إلا بالصبر على الذّل، وقال أيضا: لايصلح طلب العلم إلا لمفلس فقيل ولا الغني المكفي فقال ولا الغني المكفي، وقال مالك بن أنس رحمه الله: لايبلغ أحد من هذا العلم مايريد حتى يضر به الفقر ويؤثره على كل شئ، وقال أبو حنيفة
(1) انظر (فتح الباري) ج 1 ص 213 - 216، و (جامع بيان العلم) ج 1 ص 96 - 97، و (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 92 - 93
(2) (حديث 2047 بالبخاري في البيوع)
(3) رواه البخاري
(4) (جامع بيان العلم) ج 1 ص 96 - 97، وربيعة هو ابن أبي عبدالرحمن من شيوخ مالك رحمهم الله
(5) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 92 - 93
(6) (إحياء علوم الدين) ج 1 ص 63