فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 1285

رحمه الله: يُستعان على الفقه بجمع الهم ّ ويُستعان على حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة ولايزد، وقال إبراهيم الآجري: مَن طلب العلم بالفاقة ورث الفهم، وقال الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لآداب الراوي والسامع: يستحب للطالب أن يكون عزبا ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجة والاهتمام بالمعيشة عن إكمال طلب العلم واحتج بحديث «خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ وهو الذي لا أهل له ولا ولد» - إلى أن قال النووي: هذا كله موافق لمذهبنا، فإن مذهبنا أن من لم يحتج إلى النكاح استحب له تركه، وكذا إن احتاج وعجز عن مؤنته] [1] . وقد أخذ النووي رحمه الله بهذا فلم يتزوج، وكذلك ابن تيمية رحمه الله، إلا أن الحديث المذكور ضعيف، وقد قال ابن القيم إن أحاديث مدح العزوبة كلها باطلة، وكذلك قال: إن أحاديث ذم الأولاد كلها كَذِب من أولها إلى آخرها. [2]

وجعل كثير من الفقهاء للزواج الأحكام الخمسة (الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم) [3] .

ومع هذا فقد ورد التحذير من الاشتغال بالأهل والولد عن طاعة الله كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) المنافقون: 9، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) التغابن: 14 - 15.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الولد مَبْخَلة مَجْهلة مَجْبنة) [4] . ومعناه أن الولد يجعل الوالد يبخل ليدخر لولده، ويوقعه في الجهل لشَغْلِه عن طلب العلم، ويجعله يجبن لإحجامه عن الجهاد خشية القتل وضياع الولد من بعده. وهذا كله للتحذير (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) الطلاق: 2.

خلاصة ما سبق أن تقليل العلائق الشاغلة الصارفة هو من أنفع الأشياء لطالب العلم، ومما سبق من كلام السلف رحمهم الله تدرك أن تقليل العلائق يدور على عدة أمور أهمها.

1 -ترك فضول الكسب والقناعة باليسير من الرزق، ومما يعينه على هذا:

أ - ترك فضول المأكل أي مازاد عن الحاجة بما لايضر بدنه، فإن الإسراف في الأكل مدعاة للخمول وكثرة النوم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يُقمن صُلبَه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه) [5] .

ب - ترك فضول الملبس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن البذاذة من الإيمان) [6] . والبذاذة هى رثاثة الهيئة وترك فاخر الثياب.

ج - ترك فضول المسكن: فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: مَرَّ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نُعالِجُ خُصًّا لنا،

(1) (المجموع) ج 1 ص 35

(2) انظر (المنار المنُيف في الصحيح والضعيف) لابن القيم، ط مكتب المطبوعات الإسلامية 1390 هـ، ص 127 و 109

(3) كما في كتاب (المغني) لابن قدامة رحمه الله (المغني والشرح الكبير) ج 7 ص 334 - 337، وفي كتاب (منار السبيل) لابن ضويان ج 2 ص 134. وفصَّل أبو حامد الغزالي - في أول كتاب النكاح بالإحياء - متى تختار العزوبة على الزواج؟ فتكلم عن فوائد النكاح وآفاته وأن الترجيح يختلف حسب حال الشخص (إحياء علوم الدين) ج 2 ص 27 - 40

(4) قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات (مجمع الزوائد) ج 8 ص 158

(5) رواه الترمذي وحسّنه

(6) رواه أبو داود وابن ماجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت